انتقل إلى المحتوى

يظن كثير من الآباء أن مجرد اجتهادهم في تلقين الطفل قيما تربوية إيجابية، كفيل بتحقيق نجاحهم في مهمتهم التربوية، وعند اصطدام معظمهم باستعصاء الطفل على الانقياد لتلك القيم، يركزون تفسيراتهم على الطفل في حد ذاته، باعتباره مسئولا عن ذلك الفشل ولم يكلف أغلبهم نفسه مراجعة السلوك التربوي الذي انتهجه، فأدى ذلك المآل إلى مزيد من توتير العلاقة بينهم وبين أبنائهم.

 

فأين يكمن الخلل إذن.. في أبنائنا؟ أم فينا نحن الكبار؟أم هو كامن في الوسط الاجتماعي العام؟ وما هي تلك الحلقة المفرغة في العملية التربوية التي تجعل جهدنا في نهاية المطاف بغير ذي جدوى؟

 

وكيف نستطيع تنشئة الطفل بشكل يستجيب فيه للقيم التربوية التي نراها، «بأقل تكلفة» ممكنة؟ وهل نستطيع نحن الآباء أن نحول تربيتنا لأطفالنا من كونها عبأ متعبا؟ إلى كونها متعة رائعة ؟ هل بالإمكان أن تصبح علاقتنا بأطفالنا أقل توترا وأكثر حميمية مما هي عليه الآن؟ هل نكون متفائلين بلا حدود إذا أجبنا عن هذه الأسئلة بالإيجاب؟ ماذا لو جازفنا منذ البداية؟ وقلنا بكل ثقة: نعم بالتأكيد نستطيع.

 

إذا أردت أن تكون أبا ناجحا، أو أن تكوني أما ناجحة، فهل عليك أن تضطلع بعلوم التربية وتلم بالمدارس النفسية وتتعمق في الأمراض الذهنية والعصبية ؟ بالطبع لا.

 

ما عليك إذا أردت أن تكون كذلك إلا أن تفهم عالم الطفل كما هو حقيقة، وتتقبل فكرة أنك لست شأبا كاملاص وأنك لست شأما كاملةص فتهيئ نفسك باستمرار كي تطور سلوكك تجاه طفلك، إذ ليس هناك أب كامل بإطلاق ولا أم كاملة بإطلاق.

 

كما عليك أن لا تستسلم لفكرة أنك «أب سيء» وأنك «أم سيئة»، فتصاب بالإحباط والقلق فكما أنه ليس هناك أب كامل ولا أم كاملة بإطلاق، فكذلك ليس هناك أب سيء ولا أم سيئة بإطلاق.

 

فالآباء تجاه التعامل مع عام الطفل صنفان الأول: يعتبر عالم الطفل نسخة مصغرة من عالم الكبار، فيسقط عليه خلفياته وتصوراته.

 

والثاني يعتبر عالم الطفل مجموعة من الألغاز المحيرة والطلاسم المعجزة، فيعجز عن التعامل معه.

 

إن عالم الطفل في الواقع ليس نسخة مصغرة من عالم الكبار، ولا عالما مركبا من ألغاز معجزة.

 

بل هو عالم له خصوصياته المبنية على مفاتيح بسيطة، من امتلكها فهم وتفهم، ومن لم يمتلكها عاش في حيرته وتعب وأتعب فمفاتيح عالم الطفل التي بها سنتمكن بها من فهم سلوكه وخلفياته على حقيقتها فنتمكن من التعامل الإيجابي معه، ولعالم الطفل سبعة مفاتيح لا يدخله إلا من امتلكها، ولا يمتلكها إلا من تعرف عليها، وأولى مفاتيح عالم الطفل انه كيان إنساني سليم وليس حالة تربوية منحرفة.

 

يكمن ذلك فيما ورد عن المربي الأول صلى الله عليه وسلم: «ما من مولود إلا يولد على الفطرة» ليس هناك من يجهل هذه المقولة، ولكن القليل منا من يستطيع توظيف هذا الموقف النظري في تعامله مع الطفل لأن المتأمل في نوع التدخل الذي نقوم به تجاه سلوك أطفالنا يدرك مباشرة أننا نتعامل معهم على اعتبار أنهم حالة تربوية منحرفة يلزمنا تقويمها، لا باعتبارهم كيانا إنسانيا سليما، كما يقتضيه فهمنا لمعنى «الفطرة» الوارد في الحديث الشريف.

 

فنعمل بمقتضى ذلك المفهوم المنحرف على الوقوف موقفا سلبيا ومتسرعا تجاه أي سلوك لا يروقنا ولا نفهمه، فنحرم بذلك أنفسنا من الانسياب إلى عالم الطفل الممتع والجميل.

 

ومن مقتضيات الإيمان بأن كل مولود يولد على الفطرة الاعتقاد بأن الله تعالى قد منح الطفل من الملكات الفطرية والقدرات الأولية ما يؤهله ليسير في رحلته في هذه الدنيا على هدى وصواب. والانحراف عن هذا التصور يجعل سلوكنا تجاه أبنائنا منذ البداية محكوما عليه بالفشل الذريع.

 

ومن مقتضيات توظيف الحديث النبوي الشريف أنه حينما نلحظ انحرافا حقيقيا في سلوك الطفل، علينا أن نراجع ذواتنا ونتهم أنفسنا ونلومها ونحاسبها، لأننا سنكون نحن المسئولين عن تحريف تلك الفطرة التي وضعها الله تعالى بين أيدينا أمانة سوية سليمة، فلم نحسن الحفاظ عليها، ولم نؤد حقها على الوجه المطلوب.

 

وثانيها أن الواجب عند الطفل يتحقق عبر اللذة أساسا وليس عبر الألم وإن خوف الطفل من الألم قد يجعلك تضبط سلوكه ولو لفترة معينة، ولكنك لن تستطيع التعويل باستمرار على تهديده بالألم إذا كنت تريد أن تبني في كيانه قيمة احترام الواجب والالتزام به.

 

كما لن يمكنك تفادي الآثار السلبية لما يحدثه الألم في نفسه وشخصيته، والسبب هو أن مفهوم الواجب عنده لم ينضج بعد، وهو من المفاهيم المجردة التي ينبغي تنشئة الطفل عليها بشكل تدريجي.

 

بينما تأمره أن يقوم بإنجاز تمارينه المدرسية مثلا، فإن استجابته لك لن تتحقق ما لم تربطها بمحفز يحقق له متعة منتظرة، مثل الوعد بفسحة آخر الأسبوع أو زيارة من يحبه.. حتى يرتبط فعل الواجب لديه باستشعاره للمتعة التي سوف يجنيها.

 

فيكون الهدف هو أن يصبح الطفل متعلقا بفعل الواجب قدر تعلقه بتحقيق تلك المتعة وما يدعم ذلك هو أن الطفل أثناء تنفيذه للواجب، فإنه يفعل ذلك بمتعة مصاحبة، كأن يغني وهو يكتب ، أو يقفز على رجل واحدة و هو ذاهب لجلب شيء ما.. وعلى أساس هذا الاعتبار تأسست مدارس تعليمية، تعتمد اللعب وسيلة أساسية لتعليم الصغار.

 

ويعتقد بعض الآباء أن ربط الواجب بالمحفزات، وخاصة المادية منها، سوف يوقعهم في تدليل أبنائهم. وهو ما يعتبر خلطا في المفاهيم قد يقع فيه الكثير، وبكلمات سريعة موجزة نقول: إن الدلال هو منح المتعة بدون ربطها بالقيام بالواجب.

 

إن تفهم هذا الأمر عند الطفل سيجعل تعاملنا معه أثناء إلزامه بفعل الواجب تعاملا إيجابيا وخاليا من التوتر فالواجب عند الطفل يتحقق عبر اللذة أساسا وليس عبر الألم.

 

وثالثها أن الزمن عند الطفل زمن نفسي وليس زمنا اجتماعيا، ونعتمد نحن الكبار في تحديد الزمن على ما تعارفنا عليه من وسائل، تطورت عبر العصور إلى أن وصلت إلى الزمن الكرونولوجي، الذي يعتمد اليوم على الأجزاء المجزأة من الثواني، وهو في كل مراحله يُعتَبر زمنا اجتماعيا.

 

في حين أن مفهوم الزمن عند الطفل هو أيضا من المفاهيم المجردة التي يلزمه وقت كاف لاستيعابها والانضباط إليها والعمل ضمنها.

 

والزمن الوحيد الذي يعمل الطفل وفقه هو الزمن الذي يحسه هو حسب متعته أو ألمه فإذا كان مستغرقا في اللعب، مثلا، فإنه يعتقد في قرارة نفسه أن الكون كله سيتوقف احتراما لتمتعه بعمله ذاك، فلا حق لأي كان حسب إحساسه أن يشوش عليه متعته تلك. ولذلك نؤكد على ضرورة استحضار هذا الأمر أثناء إلزام الطفل القيام بواجب ما في وقت ما، وذلك بمساعدته للخروج تدريجيا من زمنه النفسي إلى زمنك الاجتماعي.

 

فإذا كان مستغرقا في اللعب مثلا، وكان عليه أن ينتهي منه على الساعة الخامسة لينجز واجبا ما، فما عليك إلا أن تنبهه إلى ذلك قبل الموعد بعشر دقائق على الأقل، وإذا كان لديك الوقت الكافي أن تشاركه فيما يقوم به، حتى تدخل معه زمنه النفسي ثم تخرجه منه شيئا فشيئا.

 

ورابعها أن العناد عند الطفل نزوع نحو اختبار استقلاله وليس رغبة في المخالفة، وعندما نأمر الطفل أو ننهاه فيخالفنا، نتهمه مباشرة «يا لك من ولد عنيد». ولا نتوقف للبحث عن الأسباب «الموضوعية» التي دعته إلى عدم الاستجابة لنا.

 

فالطفل منذ أن تقدر له الحياة في بطن أمه يكون مرتبطا بذلك الحبل السري الذي يغذيه بالهواء والغذاء، ويستمر شعوره بالارتباط بالحبل السري مع أمه حتى حينما يخرج إلى هذا العالم.

 

وحينما يشرع في إدراك الأشياء التي تحيط به ينتابه إحساس أنه عضو من أعضاء أمه، تماما مثل يديها أو رجليها، تحركه كيفما أرادت، غير أن هذا الشعور يتعرض لأحداث بسيطة تشوش هذا الاعتقاد عند الطفل، مما يحدو به إلى اختباره، وتكون الوسيلة الوحيدة للاختبار هي عدم الاستجابة، أو ما نسميه نحن الكبار «عنادا».

 

وخامسها أن الفضاء عند الطفل مجال للتفكيك وليس موضوعا نرتب الفضاء نحن الكبار ليقوم بوظيفة ما كأن نرتب القاعة لتكون صالحة لعرض مسرحية أو لإلقاء محاضرة، ونرتب الغرفة لاستقبال الضيوف.. فالفضاء عندنا مجال للتوظيف، ووسيلة توظيفه هي تركيبه.

 

أما الطفل فإننا إذا وضعناه في الفضاء الذي قمنا بترتيبه فإنه سيحيله إلى فوضى كاملة، لأنه يحدوه شغف شديد أن يتعرف على هذا العالم حتى يكون مؤهلا في المستقبل لتوظيفه، ووسيلته الوحيدة للتعرف عليه هي تفكيكه.

 

وغالبا ما ينشأ التوتر بيننا وبين أبنائنا نتيجة عدم استحضارنا لهذه الجزئية الكبيرة، فلا نعترف للطفل بحقه في التعرف على هذا العالم، ونرتب الغرفة مثلا وقد جعلنا المزهرية الرائعة في متناول يديه، مفترضين فيه أن يراها ولا يمد يده عليها، وإذا حصل ومد يده عليها، عاقبناه طبعا.

 

وهناك وسيلة هامة جدا لإشباع رغبة المعرفة لدى الطفل، وهي تمكينه من الألعاب التي يحتاجها، ذلك باستيحائها من مشاغباته، فمشاغباته تعكس اهتماماته.

 

وسادسها أن كل رغبات الطفل مشروعة وتعبيره عن تلك الرغبات يأتي أحيانا بصورة خاطئة من أهم المبادئ التي يدلنا عليها علم البرمجة العصبية اللغوية أن «وراء كل سلوك، مهما كان سلبيا، دافع إيجابي». وإني لأجد هذا المبدأ هو أصدق ما يكون على الطفل، باعتباره «كيانا إنسانيا سليما وليس حالة تربوية منحرفة».

 

وأما المفتاح السابع فان كل اضطراب في سلوك الطفل مرده إلى اضطراب في إشباع حاجاته التربوية، لا يضطرب سلوك الطفل أبدا لأنه قد انحرف، ولكن لأنه يعاني من جوع فيما يخص حاجة من حاجاته التربوية والنفسية

آخر تحديث للصفحة 26 سبتمبر 2025