نتوقف، أعزاءنا القراء اليوم كعادتنا عند رسائلكم الأسبوعية. وقد استأثر مقال «والأطفال أيضا يعانون» بغالبية ردود الأفعال. فقد اشرنا في المقال إلى الضغوط التي يعاني منها الأطفال نتيجة طول الدوام الدراسي وكثرة الواجبات والامتحانات، وقلنا ان هذا النمط من التعليم ينتزع الطفولة دون رحمة.
القارئة نور تقول: (لقد زاد وزن أبنائي بشكل كبير لأنهم لا يمارسون اي نشاط بدني. فعندما يعودون من المدرسة يقضون يومهم على النحو الآتي: غداء، مذاكرة، عشاء، نوم مبكر للاستعداد ليوم آخر. الأمر الذي جعلنا نعيش وأبناؤنا تحت ضغوط كبيرة أصبحنا لا نحتمل منهم اي شيء ولا يحتملون هم أيضا منا اي شيء آخر).
وكتبت قارئة اخرى تحت عنوان «العمل القاتل للإنسان والطفولة»: تتفاخر إحدى قريباتي وهي من الرعيل الأول بأنها عملت حتى سن الستين، وتنتقد جيل الوسط الذي يبحث عن التقاعد المبكر بعد 15 سنة. تفاخرها بما أنجزته أمر جيد لكنها لم تنصف عندما ساوت بين عملها وعمل الموظفة الحالية.
فقد كانت تذهب لعملها في الثامنة صباحا وتعود عند الواحدة ظهرا، مرورا بشوارع هادئة خالية من التوتر، ولو كنت مكانها لما تقاعدت أبداً. أما موظفة اليوم فهي تغادر منزلها بعد صلاة الفجر وتعود إليه منهكة قبل المغرب بعد ضغوطات عمل وحرب شوارع عانت منها حالها حال اي فرد آخر.
والنتيجة اننا أصبحنا نرى ابنة الثلاثين والأربعين وقد أجهدها العمل وتسبب بأمراض مازال الوقت مبكرا عليها. وإذا كنا نقبل اليوم بذلك كله فالله المستعان على ما سيحتمله الجيل القادم الذي نتوقع ان يكون حظه أسوأ بكثير خاصة وقد بدأت معاناته مبكرا مع التعليم الذي ينتزع طفولته.
وقالت مواطنة تقيم في ألمانيا: (الدول الغربية تهتم بصورة أكثر بالطفولة، فعلى سبيل المثال يتمّ الطالب الذي لا تعمل والدته مثلا واجباته في مدرسته بعد انتهاء الحصص المدرسية عند الساعة الواحدة ظهرا، وبعدها يذهب المنزل ليتناول وجبة الغداء خلال نصف ساعة ثم يعود بعدها للمدرسة ليحل واجباته المدرسية.
أما الطلاب الذين يعمل أولياء أمورهم فيبقون في المدرسة لتناول وجبة الغداء مدفوعة الأجر من قبل الأهالي، ومن ثم ينضم الجميع للفصول التي تحل فيها الواجبات الى الساعة الثالثة والنصف ظهرا. وبعدها يعود الأطفال جميعهم لمنازلهم وقد أتموا الواجبات وتفرغوا للعب والراحة في المنزل. الأمر الذي يسعدنا ويريحنا كأولياء أمور لا نشعر بأننا وأبناءنا واقعون تحت ضغوطات التعليم.
وتعقيبا على الرسائل السابقة التي نشكر أصحابها على تواصلهم، نكرر ما قلناه في المقال السابق وهو ان جودة التعليم لا تكمن في عدد الساعات التي يقضيها الطالب في المدرسة، ولا بكم الواجبات والامتحانات، ولا بالاعتمادات الأكاديمية التي قد تشترط ذلك لكنها لا تصر عليه بشكل مطلق خاصة ان قدمنا أسبابا مقنعة من منطلقات واقع وأهداف اجتماعية.
الطالب مهما كانت قدراته يبقى بحاجة لوقت يمارس فيه أنشطته، هواياته، يلتقي فيه مع أصدقائه وأفراد أسرته، يشاهد فيه التلفاز ويرتاح من ضغوط الحياة التي اقل ما فيها ازدحام الطرق. فلماذا لا نفكر في ذلك كله، ولماذا نحكم على جيل قادم بالتقاعد المبكر الذي ان حالت دونه قوانين هيئة المعاشات، أتاحته التقارير الطبية التي ستؤكد عدم صلاحية الواحد منهم للعمل. فهل ننتبه لهذه المسألة. هذا ما نتمناه ونرجوه من المسؤولين عن التعليم.
بقلم :ميساء راشد