الدراسة بالإنجليزية.. والحياة بخليط من لغات العالم.. فأين العربية إذاً؟ وهل مفروض علينا أن يتعلم لغة قوم لنأمن شرهم فنتبين شرورهم كلها بلغتهم؟ السؤال عصي على الاجابة، فالبعض يرى أنها العولمة ان لم تتقن لغتها الأولى ستصبح خارج السياق. والبعض يعترض ويقول من حقنا أن نرفض لغة العولمة فاليابان استطاعت ان تقول لا، لغة وعلماً وحضارة، فهل يمكننا أن نقول لا للعولمة ولغتها؟
تجتهد معظم الجامعات في الدولة لعرض برامجها المدرّسة باللغة الإنجليزية، وتعتبر معظم الجامعات الحكومية منها والخاصة أن التدريس باللغة الإنجليزية أحد أهم المكتسبات التي تقدمها هذه الجامعات للطلبة.
كما تعتمد بعض الجامعات الخاصة التدريس باللغة الإنجليزية كوسيلة مهمة في الترويج وجذب الطلبة، وهذا ما أكد عليه مدير تسويق احدى الجامعات الخاصة رافضا الكشف عن هويته ل”الخليج”، موضحا ان النموذج الامريكي في التسويق للمؤسسة التعليمة هو الرائج والناجح حاليا حيث تعتمد معظم ادارات التسويق على هذا الاسلوب بالاضافة الى التأكيد على استخدام اللغة الإنجليزية كمنهج تدريس.
الاسئلة التي نسعى للاجابة عنها من خلال هذا الاستطلاع: هل يأتي اعتماد اللغة الإنجليزية كلغة رسمية للتدريس في الجامعات لمجاراة العالم باعتبارها اللغة العالمية الأولى حالياً، وهل هي الطريق للحصول على العلوم والمعارف، وهل يستطيع طلابنا الابداع والتفكير بهذه اللغة، أم انها ستحدد من قدرات الطلاب الابداعية وتوجههم نحو التفكير بإتقان القراءة والمحادثة فقط، وهل اللغة الإنجليزية هي السبب وراء ارتقاء المتحدثين بها أم أن علماءهم هم من ارتقى باللغة؟
تباينت الآراء التي حول القضية بين مؤيد ومعارض، في حين برز رأي الدكتور عبدالله الشامسي نائب رئيس الجامعة البريطانية في دبي موضحا ان التركيز على الدراسة باللغة الإنجليزية كان السبب في عدم تأهيل عدد من الطلبة المواطنين بسبب عدم اتقانهم لهذه اللغة.
وعلاوة عن ذلك يستطيع أي مواطن الذهاب لأي دولة عربية مجاورة والحصول على الشهادة الجامعية باللغة العربية والعودة الى الوطن والحصول على المزايا نفسها التي يحصل عليها الخريج الآخر في داخل الدولة.
وقال الشامسي: من خلال خبرتي في مجال التدريس سنوات عديدة في التدريس فإن الطلبة لا يزالون يبدون ارتياحاً اكبر للتفكير والمناقشة باللغة العربية وخاصة ان دراستهم في سنوات التعليم العام كانت جميعها باللغة العربية، لافتا إلى أنه لابد من ردم الفجوة بين التعليم العالي والتعليم العام وتابع أن معظم دول العالم المتقدمة تدرس بلغتها الأم ابتداء من اليابان وانتهاء بالدول الناشئة كالبرازيل، فليس من الممكن فصل العلم عن المجتمع.
لغة العالم
من جانبه يرى الدكتور محمد عمر حفني رئيس جامعة دبي أنه نظرا لسيادة قيم العولمة فإن معظم الجامعات اصبحت تطرح برامجها باللغة الإنجليزية التي باتت اليوم لغة المال والاعمال، اذا جاز التعبير، يضاف الى ذلك ان معظم الابحاث العلمية الحديثة تكتب وتنشر باللغة الإنجليزية واتوقع في المستقبل القريب أن تطغى اللغة الإنجليزية على سائر اللغات الأم في العالم ولا سيما العربية في مجال التدريس.
ويشاركه الرأي الدكتور محمد ظهيرالدين استاذ القانون في كلية القانون في جامعة الامارات فيرى ان اللغة الإنجليزية أصبحت اليوم لغة دولية، فمن خلالها يستطيع الطالب الجمع بين أكثر من مجال وتوفر له فرص عمل أكثر كمّاً ونوعاً، لافتا إلى أن الطلبة يتفاعلون بايجابية مع اللغة الإنجليزية وقادرون على التفكير والابداع بها، الا انه اتفق مع الشامسي على ضرورة ردم الفجوة بين مرحلة التعليم العام والعالي في الدولة.
وقال إن هناك تخصصات لابد ان تُدرس باللغة الإنجليزية كالمساقات الاقتصادية لأن الاقتصاد عالمي ومتاح للجميع، الا أنه أكد أهمية الجمع والتركيز على اللغتين للطالب اللغة الأم واللغة الإنجليزية وليس أن تحل احداهما مكان الأخرى.
الطالب غير مقتنع
وجاء رأي الدكتور محسن السياط رئيس قسم العلاج الطبيعي في كلية الخليج الطبية نابعاً من ايمانه بالحديث النبوي الشريف “من تعلم لغة قوم أمن مكرهم”، ويقول: إن المعرفة هي أم العلوم، والعرب مضت عليهم حقبة من الزمان كانوا هم رواد المعرفة في العالم إلا أن الظروف التي مر بها العالم العربي جعل هذه المعرفة تتسرب الى الغرب، الذين اجتهدوا بتدوين العلوم الواردة اليهم بلغتهم، وشرعوا في تطويرها والاضافة عليها مما جعلنا نضطر للاطلاع على ما يدور في العالم حولنا.
وتعلم اللغة الإنجليزية اليوم لم يعد خياراً بل بات ضرورة والا سنجد انفسنا معزولين عن العالم وعن التطور العلمي “ثورة العولمة”، واكد بانه لتعلم اللغة الإنجليزية بطريقة تحقق الفائدة العلمية المرجوة منها لابد من تعرض الطلاب لهذه اللغة منذ سنوات عمرهم الأولى، وذلك بالمرواحة والمزج بين اللغة الأم والإنجليزية، منوهاً بأن اليابان تعتبر نموذجاً عالمياً يحتذى به في علم اللغويات حيث تركز على ضرورة ان يتقن الشخص لغتين يستطيع التنقل بينهما بسلاسة وبنفس الكفاءة.
وقال إن الطالب الاماراتي لايزال غير مقتنع بأهمية اللغة الإنجليزية في حياته والعديد منهم يدرسها مجبرا فلابد لوسائل من الاعلام من التركيز على اهمية اللغة الإنجليزية وتعريف الطالب بأنها الوسيلة لنقله الى العالم.
كما يشاركه الرأي الدكتور عبدالعزيز علي غالب استاذ علوم الطب والتشريح في كلية الخليج العربي قائلاً: إن التدريس باللغة الإنجليزية بات أمراً حتمياً لا مجال للخيار مع الحفاظ والاهتمام باللغة العربية، ويشير الى التجربة السورية في تعريب التعليم التي غالبا ما ينظر الى خريج الجامعات السورية بأنه اقل كفاءة لأن التدريس هناك باللغة العربية فقط.
كما اثنت ديانا بيهم “أمريكية الجنسية” وتعمل كمستشارة للتعليم على اهمية اللغة الإنجليزية باعتبارها اللغة العالمية الاولى الا أنها تنصح ايضا الطلاب الأجانب في الدولة بتعلم اللغة العربية في الوقت ذاته، مشيرة إلى أن إتقان عدة لغات يساعد الطلبة على اكتساب خبرة أوسع وفرص عمل أكثر تنوعا وتتحدث “بيهم” عن تجربتها الشخصية في تعلم اللغة الفرنسية والاسبانية الا انها لا تستخدم الا لغتها الأم في حياتها اليومية والوظيفية.
التجربة اليابانية
ويروي الدكتور باسم اللامي عضو هيئة التدريس في قسم هندسة الميكاترونكس في كلية دبي التقنية للطلاب تجربته الشخصية في تأليف كتاب حول تكنولوجيا المنظم الدقيق في عام ،1984 وعندما ذهب الى أحد معامل التصنيع لشرح حول الكتاب لثلاثة مهندسين يتقن أحدهما اللغة العربية والإنجليزية والثاني اللغة الفرنسية والعربية والأخير اللغة العربية فقط ويقول اضطررت وقتها لإيجاد العامل المشترك بينها وهو اللغة العربية فقمت بالشرح عن المنظم الدقيق باللغة العربية ووجدت استعياباً كبيراً من قبل المهندسين الثلاثة للفكرة على الرغم من أن الشرح كان بالعربية.
وتابع بأنه يورد هذه القصة للرد على كل من يقول إن العلوم والتكنولوجيا لابد أن تشرح وتعطى للطلبة باللغة الإنجليزية قائلا: وبعد الانتهاء من المحاضرة واجراء التقييم الاولي وجدت ان المستمعين استطاعوا ان يفهموا القدر نفسه الذي يمكنهم أن يفهموه اذا ما قدمت لهم المحاضرة باللغة الإنجليزية او الفرنسية فاللغة بمعنى عام ليست مجرد اداة كما يعتقد البعض، وانما هي تعبير عن التفكير. هي الفكر المسموع.
منوهاً بأن استخدام المصطلح التقني استخدام مجرد فليس بالضرورة أن يحمل المصطلح الفني مفهوماً تقنياً مثال كلمة “لاتش” بالإنجليزية تعني القفل المزلاج في حين يستخدم المصطلح نفسه بتسمية قطعة تستخدم في هندسة الالكترونيات الرقمية.
واكد ضرورة وجود نخبة تجيد اللغة الإنجليزية كما هي الحال في المجتمعات التي لحقت بالتقدم التقني وتجاوزته في احيان أخرى كالصين والهند وتايوان وماليزيا واذا عكفنا على الجانب الثاني البرازيل والبرتغال فهذه الدول وحتى الدول الاوروبية تستخدم لغاتها المحلية في التعليم ولكنها عادت وأنشأت الكثير من المعاهد والكليات التي تستخدم اللغة الإنجليزية فنحن بحاجة إلى نخبة من الذين يجيدون اللغة الإنجليزية لأخذ مواقعهم المؤثرة في نقل المعرفة.
واعتبر اللامي ان التدريس باللغة الإنجليزية بحد ذاته أمر ايجابي موضحاً ان هذا الأمر كان سائدا منذ سنوات عدة كانت هنالك العديد من الجامعات العربية تتبنى التدريس باللغة الإنجليزية وهو أمر فيه جانب ايجابي كبير خاصة اذا استطاعت الجامعة توفير مصادر مشابهة للمعلومة باللغة الأم سواء كانت عن طريق هيئات البحث العلمي او عن طريق دور نشر، نافياً ان تكون اللغة الإنجليزية هي لغة التقنيات الوحيدة متسائلاً: كيف استطاع اليابانيون اختراق العالم بلغتهم الأم وبهذا التطور؟ فلابد من وجود نخبة تعمل على ترجمة احدث ما توصل اليه الآخرون والاستفادة منه.
الطلبة يؤيدون
واجمع عدد من الطلبة تحدثوا ل”الخليج” على ضرورة وأهمية التعليم بالإنجليزية وبدأ الطلبة في ذكر مناقب التعليم باللغة الإنجليزية لممارسة حياتهم اليومية بسبب طبيعة هذه الحياة في الدولة وخاصة في دبي بسبب من وجود عدد كبير من الاجانب.
واكد الطلبة في معرض اجابتهم عن ايهما أفضل اكتساب العلم أم اللغة بقولهم: الاثنين معا، وتقول الطالبة علياء المرزوقي “هندسة الكترونيات/تقنية الشارقة” إن تعلم الإنجليزية حاجة ملحة للطالب لاسيما وأن الكتب أجنبية والهيئة التدريسية بالجامعة من الاجانب.
كما اكدت الطالبة اليازية حمد “تخصص مالية/تقنية دبي” اهمية اللغة الإنجليزية بوصفها لغة المال وتقول “إنها حصلت على اللغة والعلم معا”.
في حين أن رئيس نادي الطلبة في تقنية دبي للطلاب محمد جنيد (ويدرس المحاسبة) يقول ان التركيز في الدراسة يكون على اللغة قراءة وكتابة ومحادثة ويؤيد جنيد التعليم باللغة الإنجليزية وخاصة في دبي التي باتت مدينة عالمية.
وكشف عن وجود العديد من الطلبة الذين يخفقون في اختبارات اللغة الإنجليزية ويحققون علامات مرتفعه في المواد الأخرى الا أنهم لا يستطيعون اجتياز السنة الدراسية بسبب اخفاقهم في اختبارات اللغة الإنجليزية.
اما الطالبة حمدة محمد من تقنية دبي للطالبات فأشادت بالتعلم بالإنجليزية وذلك للاطلاع على الكتب والمنشورات الموجودة بكثرة باللغة الإنجليزية.
من جانبها أوضحت مروة بالشلات الطالبة في تقنية دبي تخصص موارد بشرية انها اكتسبت العلم واللغة معا وذلك بسبب سياسة الكلية على التركيز خلال سنوات الدراسة الاولى بالإنجليزية ومن ثم يتفرغ الطالب في السنوات الاخيرة لاكتساب العلم. وعلى الرغم من تخرجه كمهندس مدني في الكلية التقنية للطلاب فإن الطالب حمد نعمان يعمل حاليا في مجال الاعمال، ويرى أن اللغة الإنجليزية باتت متطلباً أساسياً للوظيفة، ويقول إنه خلال سنوات الدراسية تم التركيز على اللغة.
أما الطالب محمد ختم ولايزال على مقاعد الدراسة في جامعة دبي تخصص إدارة اعمال فأكد ل”الخليج” أن الشيء الوحيد الذي كان باللغة العربية خلال سنوات الدراسية هو “اسمه” ويرى أهمية التدريس باللغة الإنجليزية في ظل “العولمة” ووجود العديد من الاجانب العاملين في الدولة.
تحقيق: هيفاء الشيوخي