مرت ذكرى العاشر من مارس/آذار “يوم المعلم” مرور الكرام في معظم مدارس الدولة هذا العام، إلا فيما ندر منها، حيث كرست بعض المدارس فترة طابورها الصباحي لتحية المعلم والإشادة بدوره، وكرمت بعضها عدداً من معلميها في ذلك اليوم بباقة من الزهور وكلمات الإطراء والمديح المعتادة في كل عام. وتناست إدارات بعض المدارس والجهات المعنية ماذا يريد المعلم منها والمبادرة لتلمس همومه وصعوباته التي تزداد يوماً بعد يوم والتي دفعت بالكثير من المعلمين إلى الاستقالات والتقاعد المبكر، إضافة إلى عدد من الظواهر التي أدت إلى إحجام أعداد كبيرة منهم عن الانخراط في المهنة.
“الخليج” استطلعت آراء عدد من التربويين بمناسبة عيد المعلم ومعاناتهم مع ضغوط العمل التي لا تتناسب وحجم مسؤولياتهم وأعباء الحياة ومطالباتهم للجهات المعنية بتحسين أحوالهم للاستمرار في مهنتهم وتأدية رسالتهم المقدسة تجاه المجتمع.
مهنة بلا مغريات
يقول مرتضى علي شرارة مدرس اللغة العربية في مدرسة الصقور النموذجية بأبوظبي إن انطباعه في يوم المعلم خليط من سرور وفخار يشوبهما بعض الأسى والعتب، سرور لأن العالم قدر مهنة المعلم فجعل له يوماً يحتفي به، وفخار بانتمائه لهذه المهنة المقدسة- مهنة الأنبياء-.
وقال إن الأسى يعتصره عندما يجد واقع المعلم ليس بالصورة المنشودة حيث يحتفى به نظرياً وإنشائياً، ويقصر معه واقعياً حيث تتقدم على مهنته كثير من المهن، مشيراً إلى أن إحساسه بالعتب على كل من يصدح بالمديح للمعلم ويتغنى بقدسية مهنته ولا يوفيه حقه من الدعم والرعاية والتقدير.
واقترح أن يحظى المعلم بالرعاية والتقدير اللائقين حتى يكون قادراً على العطاء وساعياً إليه بإخلاص، وأن يكرس الحزم الأبوي في مدارسنا، وأن يتيقن المعنيون بشؤون التربية والتعليم أن التعليم بغير حزم ونظام لا يؤتي أكله بل ينقلب إلى ضده، مقترحاً أيضاً تغيير المناهج بشكل مدروس يثري عقول الطلبة ويقودهم إلى التحليل العميق والنقد البناء وفهم الحياة.
وأشار إلى أن المعلم ينبغي أن يقابل عطاؤه بالتقدير والاحترام لأنه يفني حياته في التربية والتعليم وصناعة الإنسان ولا يجد من ذلك الإنسان إلا الجحود والنكران، وأصبح اليوم شماعة تعلق عليها كل أخطاء الآخرين. مشيراً إلى أنه أصبح اليوم أيضاً الحلقة الأضعف المبخوس حقه، حيث أصبحت مهنته المقدسة بلا مغريات أو امتيازات.
شعور بالندم
ويقول رياض السالم مدرس علوم: إنني وبعد مرور أعوام كثيرة قضيتها في مهنة التدريس أشعر بالندم خاصة عندما أرى البعض لا يقدر ولا يحترم هذه المهنة الشريفة، حيث وصل الأمر ببعض المدرسين من زملاء المهنة أن يخجلوا من الكشف عن مهنتهم أمام الآخرين لأنهم يشعرون أن غيرهم أصبح في مكانة اجتماعية ومادية أفضل منهم.
وتساءل: لماذا وصل بنا الأمر كمعلمين إلى هذا الحد؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ ولماذا لم يسكن المعلمون في الدولة على درجات وظيفية معينة أسوة بغيرهم من موظفي الدوائر الأخرى؟ مشيراً إلى أن المعلم عاش سنين طويلة في تأدية رسالته السامية منتظراً تعديل وضعه المادي ليتلاءم مع الظروف المعيشية القاسية التي يمر بها وإذا به يفاجأ اليوم وبعد هذا العناء بتعديل أوضاع المرتبات الذي جاء مؤخراً وكأنه زيادة مقطوعة موحدة لجميع الفئات دون الأخذ في عين الاعتبار الفوارق العلمية في الشهادات أو سنوات الخبرة وهذا غير موجود في الوزارات والهيئات الأخرى.
وأضاف رياض السالم أن ما يعانيه المعلم من كبح لجماح آرائه وأفكاره التي يسعى من خلالها للمشاركة في تطوير العملية التعليمية، واعتباره أداة تنفيذ فقط، خاصة وأنه أدرى بكل ما يدور في الميدان التربوي أفضل ممن يرسمون ويخططون له وهم بعيدون عن معاناته وهمومه، لافتاً إلى أن المعلم غالباً ما يفاجأ ومن دون سابق إنذار بأمور قد تؤثر في أوضاعه المعيشية والوظيفية، مشيراً إلى ضرورة أن يتم الأخذ برأيه مع بداية كل عام دراسي عما يدور في داخل مدرسته وما هي إيجابيات وسلبيات هذا العام بمنتهى الصراحة، ودون الأخذ بكل ما يقال عنه باسم تطوير العمل، ومعالجة السلبيات وتعريف المدير أو المسؤول بمدى رضا المرؤوسين عن عمله.
ويؤكد معلم الرياضيات فراس المقدادي أنه لا يوجد أي اهتمام بمناسبة “يوم المعلم” وذلك لتدني مستوى وقيمة هذه المهنة اجتماعياً وتحجيم صلاحيات المعلمين في هذا المجال. وقال إن المعلم بحاجة اليوم إلى دعم من كل النواحي مادياً واجتماعياً مشيراً إلى أن معظم المعلمين يشتكون من زيادة الأنصبة في الحصص الدراسية الأسبوعية مما يستنفد طاقاتهم ويؤثر في عطائهم ونوعية الإنتاج لديهم، مؤكداً أن التدريس أصبح اليوم مصدر رزق بالنسبة لبعض المعلمين أكثر من أن يكون رسالة يؤدونها، وبالتالي قلت إبداعات المعلم التي كنا نسمع عنها سابقاً.
وأشار إلى أن التعليم بحاجة إلى تطوير دائم ومستمر من حيث المناهج والقائمون عليه من معلمين ومديري مدارس وإدارات وغيرهم، حيث يجب أن يتكاتف الجميع، إضافة إلى أولياء الأمور وأصحاب القرار للتركيز على نوعية التعليم وليس كميته وهذا ما يؤكده مجمل الدراسات التربوية الحديثة.
أبوظبي - إيمان سرور