اشتكى عدد من المعلمين الوافدين مما وصفوه بالتأثيرات الحادة للغلاء وارتفاع أسعار السلع والخدمات في أوضاعهم المعيشية والمادية بصورة خاصة من أزمة “غلاء الإيجارات” وهو ما ينعكس بصورة سلبية بالغة على أسرهم وأبنائهم ويفقدهم نعمة الاستقرار النفسي والأسري والاجتماعي. وقال المعلمون ل”الخليج” إنهم يشعرون بمواجهتهم الظروف المعيشية الصعبة اليوم وهم “عزل” “في حين تركتنا الجهات المختصة نواجه شبح الغلاء بمفردنا بعد أن تعاقدت معنا للعمل في تعليم وتربية أجيال وأبناء الوطن”.
أشار المعلم “أ.ع” في تخصص “الأحياء” إلى إن غلاء الإيجارات بات هماً يقض مضاجع المعلمين من تخصصات ومستويات مختلفة بعد القفزات المتسارعة التي شهدتها خلال السنوات الماضية على غرار ما تعانيه بقية شرائح المجتمع من ذوي الدخل المحدود.
وأوضح أنه اضطر تحت وقع الظروف الصعبة إلى إعادة أسرته إلى وطنه إلى حين إعادة ترتيب أوراقه ماديا إلا أنه فوجىء بالواقع الصعب والمعقد في سوق الإيجارات المحلي حاليا حيث لم يعثر طيلة المرحلة الماضية على سكن مناسب له مع أفراد أسرته لأسباب عدة أهمها ارتفاع قيمة الإيجارات بصورة مبالغ فيها حيث تصل قيمة إيجار أبسط مسكن في رأس الخيمة حيث يعمل حاليا إلى 33 ألف درهم رغم الحالة المتواضعة والبسيطة للمسكن إنشائيا وهو من المساكن القديمة.
ضغوط وهموم
ورأى “م.ع”، تخصص أحياء، أن معاناة المعلمين الوافدين، ماديا ومعيشيا، تضع المعلم وأسرته تحت ضغوط نفسية واجتماعية ومادية ثقيلة الوطأة ما ينعكس على أدائه وعطائه في المدرسة وداخل الفصل الدراسي تحديدا وينعكس في المحصلة على الطالب ومدى تحصيله العلمي والدراسي.
وأضاف أن رواتب المعلمين الوافدين حاليا تتضمن سقفا أعلى ل”بدل السكن” لا يتجاوز الألفي درهم رغم أن قيمة وأسعار الإيجارات في مختلف إمارات الدولة تضاعفت أضعافا خلال السنوات القليلة الماضية حيث لا تقل قيمة إيجار المسكن المعقول والمناسب للمعلم وأفراد أسرته، بما يحفظ كرامتهم ويتلاءم مع وضعهم الاجتماعي والمهني في رأس الخيمة على سبيل المثال، عن سقف 40 ألف درهم فيما لا تتجاوز قيمة بدل السكن المقررة لنا على مدار العام حاجز ال 24 ألف درهم فقط.
ونوه أحد المعلمين بأنه استأجر شقة في إحدى البنايات برأس الخيمة عام 2003 في بداية تعاقده مع وزارة التربية والتعليم بقيمة 8 آلاف درهم سنويا بينما قفزت الآن بعد مرور 5 سنوات إلى 50 ألف درهم أي أن قيمتها تضاعفت أكثر من 6 أضعاف وبما يفوق 600% تقريبا مقابل بقاء بدل السكن جامدا على حاله من دون تغيير في رواتبنا ومخصصاتنا المادية.
دوامة حقيقية
وتطرق “أ.خ”، تخصص لغة إنجليزية، إلى ما يتحمله المعلمون الوافدون من نفقات باهظة للعلاج وتأمين الأدوية لعلاجهم مع أبنائهم في حين كان العلاج مجانيا عند تعاقدنا في سنوات مضت قبل أن تقرر الدولة إلغاء “مجانية العلاج” للوافدين، ما حمل المعلمين، كما سواهم، أعباء مادية ومعيشية باهظة، مطالبا وزارة التربية والجهات المختصة بإقرار “تأمين صحي” للمعلمين.
ولفت “خ.ع”، تخصص فيزياء، إلى أن المعلم بات يعيش في دوامة حقيقية ومأزق ينعكس على عطائه داخل الفصل في قلب الموقف الدراسي والتربوي جراء انشغاله بالهموم المادية والمعيشية، وكيفية تأمين قوت ونفقات أسرته وعياله في ظل الغلاء المفرط في الأسواق المحلية حاليا، مشيرا إلى أن المعلمين لا يسلمون حتى من تكاليف “القرطاسية” بأبسط مكوناتها حيث يضطر المعلم لشرائها على حسابه الخاص جراء رفض إدارات المدارس تأمينها من ضمنها أقلام “السبورة” العريضة المعروفة ب”الفلو ماستر”.
وتحدث “ن.ع”، تخصص لغة عربية، متسائلا كيف لي أن أعطي بإخلاص وبأمانة تريح ضميري وأنا مشغول البال، أفكر في أسرتي وكلمات أبنائي الصغار الذين لم يتجاوز أحدهما العامين عبر الهاتف ببراءة “تعال يا بابا” خاصة أنهم في سن مبكرة وحرجة تحتاج إلى رعاية وتواجد الأب فضلا عن المشاعر الإنسانية التي تنتاب المعلم كأي إنسان أو رب أسرة.
وأضاف: نضطر نحن شريحة المعلمين البعيدين عن أبنائنا وأسرنا إلى إجراء اتصالات يومية أو شبه يومية معهم في أوطاننا الأصلية للاطمئنان عليهم وإطفاء “نار الشوق” إلى حين قدوم الفرج وهو ما يحمّلنا أعباء مادية أخرى نحن في غنى عنها.
تعب الطريق
ورأى المعلم “ع.ش”، تخصص كيمياء، أن المعلمين الوافدين وهم شريحة واسعة للغاية تلعب دورا حساسا في بناء الأجيال إلى جانب تعزيز عملية التنمية الشاملة أصبحت بعد موجات الغلاء المتعاقبة تحت “خط الفقر”، مناشدا الوزارة والجهات المختصة النظر سريعا في أوضاع المعلمين وزيادة رواتبهم للأخذ بأيديهم على مواجهة الظروف المادية الصعبة للغاية.
وأشار إلى أن المعلمين في المناطق البعيدة والنائية يواجهون معاناة من نوع خاص نتيجة افتقار تلك المناطق للسكن والبنايات السكنية المناسبة ليقطنوا فيها مع أسرهم وهو ما يدفعهم مضطرين إلى السكن في المدن الرئيسية البعيدة عن مواقع عملهم في مدارس تلك المناطق البعيدة الأمر الذي يترتب عليه قطع مسافات بعيدة يوميا تصل في بعض الأحيان إلى 40 كيلومترا فضلا عن بذل جهود مضنية بصورة يومية إلى جانب نفقات التنقل جراء ارتفاع أسعار الوقود.
وشرح “معاناة المعلمين الوافدين” قائلا: إن راتبه الشخصي حاليا بعد عدة سنوات من الخدمة وصل إلى 8،5 ألف درهم، إلا أن الأعباء والهموم المادية المتراكمة أفقدتنا الاستقرار المعيشي والنفسي وحرمتنا من أبنائنا وزوجاتنا وسلبت منا أجواء ودفء الأسرة!
من جهته ألقى خبير اقتصادي الضوء على أن نسبة التضخم وفقا للبيانات الرسمية الصادرة عن الجهات المختصة محليا تصل حاليا إلى 15% تقريبا في حين تتعدى ذلك على أرض الواقع، وهو ما ألقى على عاتق شرائح اجتماعية عريضة أعباء ثقيلة خاصة شرائح من العاملين المقيمين على أرض الدولة.
تحقيق : عدنان عكاشة