انتقل إلى المحتوى

“تمهين التعليم” من ابرز القضايا التي تؤرق مجتمعاتنا العربية، فالمعلم هو الركيزة الأساسية في النهوض بالعملية التربوية والتعليمية، وإعداد بناة الغد في ظل متغيرات القرن الحادي والعشرين بكل ابعاده وخصوصياته، حيث لم يعد التعليم مجرد نقل للمعلومات، بل أصبح عاملاً مهماً لتغيير اتجاهات التلاميذ وتعديل سلوكهم وتصرفاتهم، ومصدراً أساسياً في تقدم الشعوب، ولم تعد مهنة التعليم في الكثير من الدول المتقدمة، مهنة من لا مهنة له، واعتمدت تدابير وخطوات عملية لتمهين التعليم من خلال اعداد خاص للمعلم داخل مؤسسات التعليم العالي لاكسابه المعارف والمهارات المطلوبة لهذه المهنة الى جانب برامج التدريب المتواصلة لاكسابه الخبرة العملية المعززة لأدائه المهني.

 

ونحن لايزال طموحنا في تمهين التعليم يصطدم بضعف آليات تحقيق هذا الهدف وربما تعقيدات أخرى لا تساعد على تحقيقنا تقدماً ملموساً في هذا الاتجاه.

 

“الخليج” بحثت مع عدد من التربويين من جامعة الامارات ومراكز تدريب العاملين أهمية تمهين التعليم، ودوره في احداث نهضة تربوية وتعليمية وبناء شخصية الطالب البارع والمبدع، القادر على سد احتياجات سوق العمل والمساهمة في بناء الوطن.

 

الدكتور عبداللطيف حيدر الحكيمي عميد كلية التربية بجامعة الامارات أكد أن مهنة التعليم لم تعد مهنة من لا مهنة له، بل لها أصولها، ومعاييرها وشروط الالتحاق بها، واخلاقيات ممارستها، وان الفوائد من “تمهين التعليم” عديدة أهمها ان المعلمين ستصبح لهم مهنة ترعاهم، وتعمل على تطوير ادائهم وتوجههم للقيام بأنشطة متنوعة كالبحث والاستقصاء لتطويرها، كما أنه سيضمن لهم عدم التحاق افراد غير مؤهلين بالمهنة مما قد يضر بسمعتها الى جانب استفادة أولياء الأمور الذين سيضمنون ان ابناءهم وبناتهم يتربون على أيدي متخصصين أصحاب مهنة، يدركون حساسية طبيعة مهنتهم ومتقنين لعملهم، الأمر الذي سيؤدي الى توفير فرص تعلم أفضل للطلبة والمتعلمين على ايدي معلمين مؤهلين.

 

ويقول إن كلية التربية بجامعة الامارات، لخصت مهمتها فيما يتعلق بإعداد المعلم منذ عام 1999 في شعار “المعلم ممارس مهني” الذي يعكس مدى قناعة الكلية وأعضاء هيئة التدريس فيها بأهمية تمهين التعليم، انطلاقاً من ادراكها العميق أن السبيل الى إصلاح التعليم يتطلب “تمهينه” بحيث تصبح لهذه المهنة معاييرها وأسسها ومبادئها واخلاقياتها.

 

ويرى ان المعلم الملم بالمادة الدراسية، وطرق تدريسها واساليب تقويمها، والقادر على التفكر في ممارساته التربوية لاحداث الأثر الايجابي في تعلم تلاميذه سيسهم من دون شك في تطوير مهنة التعليم، مشيراً الى ان كليات التربية وصّفت المعلم كونه ممارساً مهنياً في اثنتي عشرة صفة، تعمل على تنميتها لدى طلبتها قبل التخرج وهي التفكر في الممارسات التدريسية والالمام بمحتوى المادة التي سيقومون بتدريسها واستخدام الاستقصاء في دراسة الواقع التربوي وتنميته لدى المتعلمين، وتنمية التفكير الناقد لديهم، وتكوين جماعات تعلم تغني تعلم المتعلمين والقدرة على ادارة التعلم التعاوني، والالمام بخصائص المتعلمين وأساليب تعلمهم لتسهيل التعلم والقدرة على التواصل الفعال، وتشجيعه بين المتعلمين، واستخدام تقنيات التعليم الحديثة بكفاءة والالتزام بأخلاقيات المهنة والتخطيط لتوفير خبرات تعلم ذات معنى للمتعلمين والقدرة على تخطيط تقويم قائم على الأداء وتنفيذه والاستفادة من نتائجه في تحسين تعلم التلاميذ، مشيراً الى أن هذه المعايير توصف بدقة المعلم الجيد وكذا التدريس الجيد.

 

وأشار الى ان الكلية وهي تعد هذا النوع من المعلمين الذين تخرجت منهم دفعات من معلمي المرحلة الثانوية سيسهمون في تطوير مهنة التعليم، مؤكداً ان طلبة الكلية يخضعون قبل التخرج لاختبار عام حول المفاهيم والنظريات والتطبيقات التربوية يسمى “الاختبار المهني” للتأكد من أنهم حققوا معايير المهنة، وهذا الاختبار يمكن ان يشكل مستقبلاً نقطة انطلاق لمنح المعلمين في الميدان التربوي شهادة ترخيص للتدريس.

 

ويرى الدكتور عبدالله يونس ابو لبدة استاذ جامعة الامارات، مسؤول الخبرات الميدانية في تدريب المعلمين ان تمهين التعليم يرتبط بأمرين مهمين هما الاعداد للمعلم وهو من مسؤولية وزارة التربية والتعليم أو أصحاب العمل، مؤكداً ان مفهوم تمهين التعليم يرتبط أيضاً ارتباطاً مباشراً بمستوى الإعداد للمهنة التعليمية، إذ إنه كلما ارتقى مستوى الاعداد للمهنة، ازدادت الفرص لاتخاذ التعليم مهنة دائمة للمعلم، وهذا بالالتزام نحوها، كما تتطلب عمقاً في مادة التخصص، بالإضافة الى تعميق مساقات الإعداد المهني بحيث يصبح عدد الساعات المعتمدة “162” ساعة.

 

وأضاف ان الشق الثاني من التمهين من مسؤوليات وزارة التربية والتعليم ايضاً، ومن خلال فتح المجال للترقي والنمو المهني للمعلم بحيث يبدأ مهنته بمستوى معين وراتب معين وينتقل بعد ذلك من خلال نموه المهني الى مرتبة أخرى هي مرحلة المعلم المسؤول بحيث يزداد راتبه بما يتناسب مع مسؤولياته، ينتقل بعدها الى مرحلة نمو مهنية أخرى أي مرتبة أعلى يمكن تسميتها مرحلة العلم  الدائم أو المتميز، وتصبح للمعلم الملتزم بالمهنة بهذا التسلسل المهني مكانة مرموقة ودخل مادي يعزز لديه الشعور بالفخر والراحة النفسية، لافتاً الى أن هذا سيشجع غيره على اتخاذ التعليم مهنة حياة دائمة.

 

ويقول الدكتور أمين محمد نبوي أستاذ كلية التربية في جامعة الامارات سابقاً: إن تمهين التعليم لا يقتصر على العناية ببرامج إعداد المعلم والترخيص بمزاولة المهنة، بل يتعداهما الى المدارس نفسها، فكما ان البرامج التي تقدمها الكليات تكون معتمدة، كذلك المدارس يجب ان تصل الى مستوى الاعتماد والاعتراف بجودة ما تقدمه لطلابها من معارف ومهارات واتجاهات وضمان محاسبة تلك المدارس أمام الرأي العام، وفقاً لمعايير يتم وضعها، الهدف منها أن تقوم كل مدرسة بوضع خططها لتمهين المعلم بما يضمن استمرارية نظام الجودة وتحسين المهنة.

 

وأشار الى أن التعليم كان حتى وقت قريب، مهنة من لا مهنة له إلى درجة أن بعض وزراء التربية والتعليم في بعض الدول كانوا يصدرون قرارات بتعيين بعض دفعات خريجي الجامعات من غير كليات التربية لسد العجز في المدارس، وعندما يتدخل التربويون تكتفي الوزارة ببرامج تدريبية لتأهيل المعلمين الجدد لمدة أسبوعين.

 

وحتى نقابات المعلمين ليس لها دور يذكر في مراقبة مهنة التعليم والارتقاء بمستوى أداء المعلمين ومحاسبة المقصرين منهم، مشيراً إلى أنه إذ تمت المقارنة بين مهنة التعليم والمهن الأخرى كالطب والصيدلة والهندسة وغيرها فإن المقارنة لن تكون لمصلحة التعليم، حيث لا توجد محفزات ملموسة للنهوض بهذه المهنة في المستقبل المنظور، وعلى الرغم من ذلك فإن التعليم أصبح مهنة لأنه أصبح يحتل مكانة الصدارة في أولويات الدول المتقدمة، فالتعليم يصنع الفرد، والدول تقاس وفقاً لمدى غناها بالمعرفة والموارد البشربة المبتكرة القادرة على إحداث النقلة النوعية وتحقيق اقتصاد مبني على المعرفة.

 

ويرى أن الحصول على الدرجة الجامعية لا يعني نهاية المطاف للخريج، بل إن هناك اختبارات ينبغي أن يخضع لها للحصول على ترخيص بمزاولة المهنة، وتتم الرعاية للمعلمين الجدد في إطار شراكة بين وزارات التربية وكليات التربية، التي يتخرجون فيها لضمان استمرارهم واندماجهم في المهن ومتابعة نموهم الوظيفي، مؤكداً أن مواصلة قيادة عملية الاصلاح والتحسين المدرسي تتطلب مواصلة الجمهور تحقيق تحولات جوهرية في اتجاهات عدة أبرزها التحول إلى أسلوب صنع القرار من خلال طرق العمل المتعاونة والتحول من الالتزام بالروتين والقواعد البيروقراطية الى التحسين والتجديد والابتكار وتغيير جميع العمليات التربوية لتكون متمحورة حول الطالب وتسهيل الطرق لتبادل المعلومات بين المدارس ومجالس التعليم والمناطق والوزارة واستزراع الثقة المتبادلة كمحرك أساسي للعمل في المدارس.

 

ويؤكد النبوي أن من أهم أولويات تمهين التعليم الاهتمام بالبحث التربوي وضرورة وجود مركز تربوي متخصص في اجراء البحوث التربوية للمساعدة على توجيه العمل في المدارس وتحسين أدائها حيث لا يمكن الاعتماد على نتائج أبحاث ودراسات تمت في بيئات أخرى، ووفق معطيات تختلف في الكثير من الجوانب عن طبيعة مدارسنا.

 

مشيراً إلى أنه يمكن الاستفادة من مدارس التنمية المهنية والتجربة المهمة التي لم يكتب لها الاستمرار في تحسين الممارسات التربوية والتجريب التربوي واستخدام استراتيجيات حديثة في التدريس مع الانفتاح على التجارب العالمية للوقوف على ما هو جديد والاهتمام بالبحوث التربوية المقارنة، التي تراعي خصوصية مجتمع الامارات ورؤيته المستقبلية.

 

تفعيل دور مراكز تدريب العاملين

 

يقول الدكتور بدر عبدالله الجابري خبير التخطيط الاستراتيجي في وزارة العدل مدير مركز تدريب العاملين في أبوظبي سابقا إن بإمكان مراكز التدريب التابعة لوزارة التربية والتعليم بالتعاون مع كليات التربية والجامعات ان تلعب دوراً كبيراً في تنفيذ مشروع تمهين التعليم، وتوفير البيئة التربوية المناسبة إذا توافرت لها المقومات المادية والمعنوية، حيث إن معظم البرامج التدريبية التي تنفذها تلك المراكز تصب في مجرى الجهود المبذولة لتطوير التعليم.

 

وأضاف أن الميدان التربوية لا يزال بيئة طاردة، ترهق المعلم، وتدفعه للتسرب الى وظائف ومهن أخرى، الى جانب  الاستقالات، مما يسبب عجزاً في الهيئة التدريسية، تضطر معه بعض المناطق التعليمية الى تعيين معلمين بالأجر اليومي وفي غير تخصصاتهم، الأمر الذي يتسبب في اعاقة مشاريع التطوير، مشيراً إلى ضرورة خلق الاستقرار الوظيفي للعاملين في الميدان التربوي وجعل المدرسة بيئة جاذبة وتعزيز دور ومكانة التعليم.

 

وأكد أن تمهين التعليم يتطلب قراراً وإجراءات عملية واعتمادات مالية ضخمة لاعادة التأهيل لأعداد كبيرة من المعلمين أثناء الخدمة واخضاعهم الى تدريب وبرامج مكثفة تتم بالتسيق بين مراكز التدريب والجامعات شريطة أن يحتسب للمعلم مجموع الساعات التدريبية التي خضع لها والبرامج التدريبية التي تلقاها في الدورات ضمن خطة الدبلوم لتصبح لها قيمة وأهمية لدى المعلم، مشيراً الى أن المعلم أثناء الخدمة مستعد لمواصلة تأهيل نفسه، بما يتناسب مع طبيعة مهامه العملية، ليكون حافزاً له للاقبال عليه وليس عبئاً إضافياً يرهقه، مشيراً الى أن تمهين التعليم لن يقتصر على الدفعات الجديدة من خريجي كليات التربية والتعليم، بل ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار الاعداد الكبيرة من المعلمين أثناء الخدمة، الذين ينبغي أن يحصلوا على فرص التأهيل لمواصلة تطوير مهاراتهم المهنية، واكسابهم معارف نظرية جديدة في اطار برنامج تدريبي يرفع من مستواهم، وينمي كفاءاتهم وقدراتهم على مواكبة المتغيرات والتطورات في المناهج وطرق التدريس، وأن يخضعوا لاختبارات تمنحهم رخصة العمل في التدريس تجدد بين فترة وأخرى لكل معلم، لافتاً إلى أن اتخاذ قرار “التمهين” ليس بالسهولة التي نتصورها، إذ يجب أن تتوافر له مقومات النجاح قبل اتخاذه، لافتاً إلى أن مراكز تدريب العاملين التابعة لوزارة التربية والتعليم في وضعها الحالي، لن تستطيع المساهمة في عملية تطوير أداء المعلم، وأن تلعب دورها الفعال في المشاركة بتمهين التعليم، إذ إن جملة من الظروف والعوامل طرأت عليها أخيراً حيث إن المناطق التعليمية لم تعطِ تلك المراكز دورها الطبيعي الذي يفترض أن تؤديه كما كان مرسوماً لها، وفق الاستراتيجيات التربوية السابقة، مشيراً إلى أن هناك مؤسسات تربوية تدريبية وجامعات وكليات تؤدي اليوم هذا الدور بدلاً منها، والى أن السؤال الذي يطرح نفسه حالياً هو مدى تحقيق تلك المؤسسات التربوية ذلك الدور المطلوب ميدانياً، وليس نظرياً، ومن خلال التعايش اليومي لرفع كفاءات المعلم.

آخر تحديث للصفحة 11 سبتمبر 2025