التعليم غاية سامية، وركيزة وهدف لا غنى عنه لكل من يطمح بالنجاح في عالم المعرفة على اعتبار أن العالم اليوم يعيش حالة من التنافس لدعم هذا القطاع المهم.
ومن الواضح أن التعليم أصبح أمراً مهما للاختصاصيين في كافة مجالات المعرفة. ولعل من المسائل التي أغرقت المنطقة العربية بها هو تراجع التعليم، وقد حذر البنك الدولي من أن مستوى التعليم في العالم العربي متخلف بالمقارنة بالمناطق الأخرى في العالم ويحتاج إلى إصلاحات عاجلة لمواجهة مشكلة البطالة وغيرها من التحديات الاقتصادية. وقال تقرير للبنك بهذا الشأن إنه رغم سهولة الوصول إلى مصادر التعليم حاليا مقارنة بالماضي إلا أن المنطقة لم تشهد نفس التغير الايجابي فيما يتعلق بمكافحة الأمية ومعدل التسجيل في المدارس الثانوية ما حدث في آسيا وأميركا اللاتينية.
ويطالب البنك الدولي بضرورة أن تضع الدول العربية مسألة التعليم على رأس أولوياتها. فقد آن الأوان كي تركز الدول طاقاتها على تحسين مستوى التعليم وتسليح الطالب بما يحتاجه سوق العمل حالياً بالقدرة على حل المشكلات، التفكير النقدي، الابتكار فضلاً عن ضرورة إعادة تدريب المدرسين. واللافت أن المنطقة العربية منطقة شابة لأن60% من سكانها دون سن الثلاثين الأمر الذي يتطلب توفير 100 مليون فرصة عمل خلال 10 أو 15 عاماً.
وإذا كنا بصدد خلق فرص العمل هذه فان علينا إعداد الشباب لها والبداية هي التعليم. والتقرير إلى أن الأردن والكويت يأتيان على رأس الدول العربية من حيث الإصلاحات في مجال التعليم بينما تأتي جيبوتي واليمن والعراق والمغرب في القاع من حيث سهولة الوصول إلى مصادر التعليم والفاعلية والنوعية. لكن لابد أن نعترف أن 30 بالمئة من سكان الوطن العربي يعيشون وسط دائرة من المشاكل.. بعضها بسيط لكن اغلبها يحتاج إلى وقفة وحل عاجل.
والرقم مصدره التقرير الاجتماعي العربي الأول الصادر لأول مرة عن جامعة الدول العربية، ويمثل الأحوال الاجتماعية للشباب العرب الذين بلغ عددهم في آخر ـ إحصاء رسمي منذ خمس سنوات ـ 5,77 مليون. وربما يصل الآن حسب تقديرات بعض المشاركين في إعداد التقرير إلى 85 مليونا. ورغم أن الرقم تغير بسبب الزيادة السكانية لكن المشاكل التي يواجهها الشباب لم تتغير وربما زادت حدتها.
التقرير حدد عمر الشباب العربي من 18 إلى 40 عاماً، وتبلغ نسبة هذه الشريحة العمرية في بعض الدول خاصة الخليجية من 35 إلى 48 في المئة من إجمالي عدد السكان بينما تقل إلى 27 في المئة في بعض الدول. أما نسبة المرأة فتتراوح بين الربع والنصف خاصة في الدول الخليجية. مشاكل الشباب حسب التقرير تبدأ من فرصتهم في التعليم والبحث عن عمل إلى تحقيق الحلم الكبير في تكوين أسرة بالزواج والمشاركة السياسية. ولا تقل مشاكل التعليم أهمية عن المشاكل الأخرى التي يعاني منها الشباب.
ويؤكد التقرير أن معدلات استيعاب الشباب في التعليم الجامعي بالدول العربية مازالت منخفضة. كما زاد التنافس بين الطلاب للحصول على درجات عالية في مرحلة الثانوية العامة للالتحاق بكليات القمة ضماناً للوظيفة، وترتب على ذلك انتشار الدروس الخصوصية في معظم الدول العربية رغم محاولات الحكومات للقضاء عليها.
ووصل حجم الإنفاق على الدروس الخصوصية في مصر إلى 5,1 مليار جنيه سنويا وارتفاع معدل إنفاق الأسر على التعليم إلى نسبة عالية تستهلك أكثر من ثلث دخل الأسرة. وأدى ذلك إلى تراجع فرص التعليم الجامعي أمام الفقراء ومحدودي الدخل في الريف والحضر كما أن جودة التعليم العربي أصبحت محدودة بالمقارنة بالدول المتقدمة وباحتياجات سوق العمل مما ينعكس سلباً على فرص الشباب في العمل والحصول على اجر مناسب.
واغلب المؤسسات التعليمية في الدول العربية تركز على المستوى الجامعي والعملية التعليمية أكثر من العملية التربوية مما يؤثر على قيم الشباب الثقافية والاجتماعية والمادية. وتؤكد الإحصائيات انخفاض نسبة الأمية بين شباب الدول العربية إلى 38 في المئة بعد أن كانت 43 في المئة عام. 1985 وهذا يعني أن نسبة الانجاز ضعيفة إذا قورنت بالنسبة العالمية المرتفعة. ورغم أن بعض الدول مثل مصر نجحت في تقليل نسبة الأمية 21 في المئة أو الإمارات 30 في المئة إلا أن المؤشرات تؤكد أن دولاً أخرى تحتاج إلى جهود كبيرة لتحقيق نسبة نجاح.
إن أزمة التعليم في العالم العربي أبرز التحديات التي تواجه الأقطار العربية وهي على مشارف الألفية الثالثة. فمن جوانب أزمة التعليم، عدم كفاية الأبنية المدرسية لاستيعاب الطلاب مع الزيادة المضطردة في أعداد السكان، ونشوء سوق سوداء للتعليم تتمثل في الدروس الخصوصية، وتفشّي ظاهرة الكتب الخارجية والتي من أهم أسبابها عدم تطوير الكتب الدراسية وابتعادها عن مسايرة التقنيات الحديثة في الطباعة، وجمود المحتوى.
وبالنسبة للتحديات فإنها تشمل العالمية، والتي من مظاهرها تحرير التجارة الدولية، وثورة المعلومات والاتصالات، وبروز نوعية جديدة من التقانة المتقدمة، والتي تحتاج إلى عمالة على مستوى عالٍ بالتعليم والتدريب والقدرة على التحول من مهنة إلى أخرى، واتخاذ القرار على خط الإنتاج مباشرة.
ثم تحدي ثورة التقانة، إذ تجتاح العالم ـ اليوم ـ ثورة جديدة تدعى »الموجة الثالثة« وهي مزيج من التقدم التقاني المذهل والثورة المعلوماتية الفائقة. وأمثلة هذه الثورة عديدة في شتى القطاعات الإنتاجية والخدمية، ومن ذلك: استخدام الجيل الثالث من الإنسان الآلي في التصنيع، الكيمياء الحسابية أو الإحصائية، التقانة فائقة الصغر، الهندسة الوراثية.
والتحدي الأخر تحدي المنافسة العالمية والاحتكارات الدولية. فمع زيادة الانفتاح على العالم وتحرير المبادلات التجارية، فإن عناصر المنافسة والجودة والتميز هي التي ستحكم قوانين السوق خلال المرحلة القادمة، بحيث تصبح الدولة التي تملك ميزة نسبية في الإنتاج والجودة هي التي تستطيع أن تحكم السوق وتحصل على مقومات القوة في العالم. ومن هنا تبرز أهمية التعليم باعتباره أحد محددات إنتاجية أي دولة، لأنه يحدد إنتاجية الفرد فيها عن طريق الخبرات والقدرات والمهارات التي يتمتع بها الفرد.
ثم يأتي تحدي زيادة النفوذ الدولي على القرار الوطني، وذلك على نحو ما نلمس في توصيات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وفي معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وفي اتفاقية الجات، وفي مؤتمر حقوق الإنسان. وأخيرا تحديات أخرى ذات طابع عالمي كالعنف والإرهاب وتلوث البيئة، والانفجار السكاني. وتفرض هذه التحديات في مجملها ضرورة تطوير التعليم كخيار استراتيجي.
إن وضع استراتيجية جديدة لتطوير التعليم بحيث يمكن ملاحقة المتغيرات العالمية، وخصوصاً فيما يتصل بالتفجر المعرفي وثورة الاتصالات والثورة التقانية. حيث إن الاستراتيجية العربية التي مازالت قائمة، قد وضعت عام 1972م، ومطلوب استبدالها الآن، أسوة بما فعلته اليونسكو التي اتخذ مؤتمرها العام منذ سنوات قراراً بوضع استراتيجية جديدة للتربية تلائم القرن الـ 21 بدلاً من استراتيجية 1972م. وتتلخص استراتيجية تطوير التعليم في الآتي:
1 ـ التعليم ليس مجرد خدمات، بل هو محور الأمن بمفهومه الشامل «الاقتصادي والسياسي والعسكري» وهو موضع تنافس القوى المتنفذة في النظام الدولي الحالي.
2 ـ التعليم استثمار، فهو استثمار للعنصر البشري، ولذا يجب توفير الاستثمارات اللازمة لتطوير التعليم في محاوره المتعددة، كما يجب توفير الاعتمادات المالية اللازمة لهذا الغرض وأن يشارك فيها القطاع الخاص.
3 ـ عدم المساس بمبدأ تكافؤ الفرص التعليمية.
4 ـ تحديد سياسة التعليم الواعية في إطار ديمقراطي.
حاتم صقر ـ دبي