لا أعتقد أن معضل التعليم كأي معضل آخر يمكن أن يُحل عن طريق ما يمكن تسميته بحرب الكلمات والتصريحات، والتصريحات المضادة في الصحافة والوسائط الإعلامية المختلفة. والتعليم قد ارتبط دائماً بالعمل سواء أكان ذلك من خلال قدرته على إكساب الداخلين فيه مهارات مهنية ذات علاقة أو ذات حاجة بسوق العمل أو في كونه أحد أهم قطاعات التوظيف لليد العاملة المحلية.
وقد مثلت مهنة التدريس مهنة كان ينشدها أي داخل جديد في سوق العمل، فهي المهنة التي كان يحظى صاحبها بقدر ليس بعادي من الاحترام والتبجيل. »فمعلم الأجيال« أو مدرس كما يقولون »العيال«، كان يحظى بقدر ليس عادياً من الاحترام من قبل الناس والتلاميذ والمجتمع قبل أن تأتي عليه عواقب الدنيا وتحولات الزمان والتي لم تبق من هذه المهنة وصاحبها الكثير من التبجيل الذي كان الأوائل من محترفي هذه المهنة يحتلونها أو يحظون بها.
ورغم كل ذلك فالبعض يطرق هذا القطاع من باب أن ليس له قطاع آخر يطرقه ورغم إن دول الخليج تشتكي من نقص في مدرسيها فإن البعض منها قد يعاني من فائض لا يعرف ماذا يفعل به. وليس كل متقدم للتعليم يصلح أن يكون فيها من دون أن يكتسب مجموعة من المهارات المعرفية والشخصية والاجتماعية.
إلا أن مهنة التدريس والإبداع فيها ليست مهنة مورثة بمعنى ليس هي بالجينية المورثة، بل هي مهارات مكتسبة إذا ما أُصلحت في ذلك المُدخلات الأساسية التي تقوم بتدريب هؤلاء المدرسين، من بنية أساسية وهيئات تعليمية ومناهج دراسية واتصال مباشر بآخر التقنيات التعليمية ونظرياته ليس فيما يتعلق بالقائمين بعملية التدريب ذاتها وإنما فيما يتعلق بالداخلين في التدريب ذاته.
فكليات التربية في الجامعات الخليجية تعاني من معوقات بشرية وإهمال رسمي بها أو بتطويرها وهي لذلك بدت عاجزة عن إبداع الجديد في مجالها، كما أنها بدت غير قادرة عن إكساب الداخلين والمتدربين فيها تقنيات العمل في السلك التعليمي ولربما عاجزة.
كذلك عن إكسابهم مهارات التعامل الاجتماعي مع تلاميذهم أو حتى فهم جذورهم الاجتماعية التي قد تشكل أفقهم ولربما موقفهم من العملية التعليمية برمتها وبالتالي تشكل أو تؤثر في أدائهم المدرسي وعملية التمدرس برمتها.
إن مهنة التعليم لا تتعدى أن تكون عند البعض منا، مهنة نمتهنها وتدخلنا في باب الرزق والكسب غير مهتمين بوظائفها أو بضروراتها في عملية التنمية بشكل عام. فهي في هذه المهنة التي قد تُلبي بعض المتطلبات الاجتماعية وقيم المحافظة كما إنها عند البعض الآخر منا قد لا تتطلب الكثير من المهارات العقلية والسلوكية والمعرفية.
وهي لسبب ذلك يتم التقاطر عليها، بل إن ارتفاع العبء التدريسي فيها في بعض المدارس ليس سبباً كافياً لهروب البعض منها وتحديداً النساء. فهي توفر لهم بيئة من العمل المهني المنعزل عن عالم الرجال وهي في هذا قد لا تتطلب الكثير من المهارات والاستعدادات الشخصية وإن يكن في المظهر الخارجي لهن، فهي في هذا امتداد لبيئة البيت وسياقه الثقافي والاجتماعي السائد.
كما إنها عند البعض الآخر منا أيضاً، وأقصد بذلك الجماعات المُسيسة والأحزاب والجماعات السياسية أو السياسية ـ الدينية، ميدان خصب ورحب في التشكيل الثقافي والسياسي للأفراد والجماعات ولربما ميدان مهم في اصطياد الكوادر والأنصار.
من هنا شكل التعليم في المجتمع العربي ليس بيئة تعليمية محضة وإنما بيئة صراع سياسي وديني ولربما مذهبي وقد يكون طائفياً كذلك، كلمات علت سخونة النقاش والحرب الكلامية بين القبائل الطائفية كما هي الآن قائمة في المنطقة.
من ناحية أخرى فإن محتوى المقررات التعليمية المقدم ليس هو في كل الأحوال حيادياً أو علمياً خالصاً. فالسياق السياسي الناظم أو الجماعة السياسية القائمة على النظام التعليمي في الكثير من المجتمعات العربية قد تجد في تطعيم بعض هذه المقررات بمضامين سياسية معينة معيناً لها لتجاوز بعض أو كل إشكاليات شرعيتها السياسية.
وهو ما قد تجده بعض الأنظمة السياسية العربية مدخلاً لتشكيل الثقافة السياسية للأجيال القادمة من خلال المقررات الدراسية، وهي كما يبدو حالة ليس بالضرورة ثابتة. فالكثير من محتوى المقررات التعليمية في الدول ذات الطبيعة التوتاليتارية في الكثير من الأنظمة الشمولية لم تحفظ هذه الأنظمة من السقوط.
بل أنها لا تحمي هذه الأنظمة من الانهيار أو تحشيد الأعيان وقت أو لحظة الانهيار كما هي حالة الكثير من دول المنظومة الاشتراكية في الاتحاد السوفييتي سابقاً ومنظومته الاشتراكية الشرقية. وهي كذلك لم تكن عوناً للنظام العراقي السابق من أن يكون هؤلاء الشباب عوناً له من السقوط.
والتعليم، كما أشرنا، كان ساحة مهمة للقوى السياسية القومية واليسارية في الخمسينات والستينات في التأثير على الطلبة ومواقفهم من مجمل قضايا الداخل والخارج. وهو ما بدا منذ حقبة الثمانينات طالعاً، ساحة مهمة للقوى الاسلاموية للتأثير ليس فحسب على الطلبة ومواقفهم من الداخل والخارج .
وإنما في محاولة إعادة صياغة الكثير من محتوى هذه المقررات بالصورة التي تعطيها السيادة ليس في إعادة تشكيل العقول وإنما في أحداث، من خلال ذلك، قدراً من التأثير في تشكيل الثقافة السياسة للشباب وبالتالي دخولهم كعنصر مهم في تشكيل السياق السياسي القائم ضمن سياق ما قد يسمى بأسلمه النظام.
وأعتقد أن التنابز والصراع الحادث عندنا حول من يكون أو لا يكون في العملية التعليمية أو لنقل ان النقاش أو اللغط القائم حول مستوى خريجي جامعاتنا لا يحل دون شك باستيراد بعض من خريجي الجامعات العربية الأخرى، دون إخضاعهم لاختبارات الدخول ذاتها لقياس مدى الملاءمة واتساع القدرة، وجامعاتهم أو بعضها هي الأخرى تعاني من تدهور في مستوى خريجيها.
فالمدخلات التي يدخل فيها أو بها النظام التعليمي العملية التعليمية يحصد بها مخرجات تعليمية تعكس هذا النظام. وإذا ما كانت الجامعات العربية قاطبة خارج قائمة أفضل خمسمئة جامعة في العالم فإن ذلك يعكس هذا التدهور والسقوط في مخرجاته، وبالمقابل يعكس أن تكون جامعة سنغافورة الوطنية في المركز السادس والعشرين على مستوى العالم هذا التقدم والصعود الذي حققته هذه الجامعة الفتية.
وهو صعود لم يحقق فيها إلا من خلال نزع السياسة والتسييس عن التعليم. وهو المعضل الأساسي الذي بسببه كان هذا السقوط لأغلب الجامعات العربية وهو سقوط لا يمكن لها أن تتجاوزه إلا بإرادة سياسية ترى في التعليم آلية ووسيطاً مهماً في الصعود الاقتصادي والاجتماعي.
وفيما يتعلق بحالتنا المحلية فإن تجاوز الشد واللغط حول رفض المحلي من المعروض وتقبل الآخر العربي أو الأجنبي لا يمكن حله إلا عبر قدر أكبر من الشفافية في تحديد المعايير والضوابط، كما أن مسألة المستوى لا يمكن حلها إلا عبر التفكير في إعادة تدريب المعروض المحلي بشفافية أكبر وبروح تتجاوز الشد السياسي والاستقطاب العصبوي. فالمصلحة القومية والوطنية ومصلحة الأجيال القادة يجب أن تكون هي المعيار وليس النزوع العصبوي. والله من وراء القصد.
كاتب بحريني : drbaqer@gmail.com
بقلم :د. باقر النجار