انتقل إلى المحتوى

لم يعد التغيير الحاصل على التعليم في دولة الإمارات خافياً على أي منا، فالخطط التربوية تشعبت وتعددت واختلفت للتنافس على تقديم التعليم الأكثر تميزاً، وتزويد السوق المحلية بالمخرجات الأفضل إلا أن ذلك التغيير لم يعد يسعد كثيراً من أولياء الأمور الذين يعانون من ساعات العمل الطويلة، ومن حجم الأعمال المطلوب منهم إنجازها.

فالآباء والأمهات بدأوا يشعرون بأن عدوى ساعات الدوام الطويلة التي تمتد إلى ما بعد الرابعة مساء ومهامها الكبيرة قد انتقلت إلى المدارس لتكمل حلقة الضغوطات النفسية والاجتماعية التي يعاني منها أفراد المجتمع، لأنها سرقت الحياة الاجتماعية منهم رغم زيادة الرواتب الشهرية والامتيازات التي يحصلون عليها والتي تجعلهم في رغد مادي، و«فقر اجتماعي». إن إيقاع التنمية السريعة التي نشهدها يبدو أنه لا يضع في الاعتبار كون الموظف إنساناً بحاجة لوقت يحيا فيه مع نفسه وبين أسرته وأهله وأصدقائه.

والأكثر أن هذه التنمية بضغوطاتها جعلت الطالب ينطلق إلى المدرسة في السابعة صباحاً لتحاشي الازدحام في الطرقات، ولا يعود إلى منزله قبل الساعة الثالثة عصراً، ليتعادل في ساعات العمل مع والده أو والدته الموظفين، مع أن الموظف ربما يعود إلى منزله دون واجبات، في حين يعود الطالب بأثقال يعجز عن حملها طفل لم يتجاوز الثانية عشرة من عمره، وبواجبات لا يجد بسببها فرصة للعب أو الهدوء بعد يوم حافل في المدرسة.

فبعد إنهاء وجبة الغداء، ينكب على الدراسة وحل الواجبات إلى ما قبل الساعة الثامنة مساء، وبعدها يتناول وجبة العشاء ويستعد مجدداً للنوم دون أن يكون قد حظي بوقت للعب، أو لأسرته، ولا بوقت آخر للتلفاز.

حتى النوم بات أرقاً لأن عقله الصغير مزدحم بأفكار كثيرة يعجز أن يتركها في مكان آخر. والنتيجة نقطفها في أطفال عنيفين، عصبيين، متذمرين، كارهين رحلة «العذاب» اليومية كما يسمونها، رافضين القيام بأية أنشطة اجتماعية أو رياضية لأنهم يجدون أنفسهم مجهدين. وفي الحقيقة عندما نستمع إلى هؤلاء الأطفال وتبريراتهم نجد أنهم محقون، فعندما كنا في أعمارهم كنا نتواجد في المنزل في وقت أبكر، وننهي واجباتنا ونحظى بفرص للاجتماع مع العائلة واللعب والتلفاز حتى ساعة النوم، وكنا نستمتع بالمدرسة.

 

 

إذا كان الكبار فقدوا جانباً من حياتهم الإنسانية والاجتماعية، وفقدوا شيئاً من صحتهم بسبب ضغوطات العمل، فلماذا نسلم جيل المستقبل لمصير شبيه بحجة أننا نبحث عن تعليم أفضل؟ ومن قال إن التعليم الأفضل لا يكون إلا بساعات طويلة وواجبات كثيرة؟ ومن قال إننا سنكسب في سباق التنمية عندما نخسر الإنسان؟ هل ينتبه القائمون على التعليم إلى هذه المسألة فينقذوا ما يمكن إنقاذه؟ هذا ما نأمله وما نتمناه.

 

بقلم :ميساء راشد غدير

آخر تحديث للصفحة 10 سبتمبر 2025