لا يختلف اثنان على أن الأكاديميين في أي دولة هم ثروتها المعرفية والتنموية، خاصة ان استطاعت دولهم الاستفادة منهم وتوظيف معرفتهم والعناية بهم لينعكس ذلك كله على مجتمعاتها، والعناية التي نتحدث عنها تبقى حقا مشروعا للأكاديميين الذين أنفقوا الكثير من مالهم ووقتهم وجهدهم في تحصيل شهاداتهم العلمية. تأخذ هذه العناية أشكالا متعددة منها تشجيعهم على مواصلة البحث العلمي، وتقدير عطائهم ماديا ومعنويا دون إهمالهم وإقصائهم وكأنهم ترف لا حاجة حقيقية له.
مناسبة حديثنا هذا حالة الإحباط التي يشعر بها عدد من الأكاديميين المواطنين في الدولة سواء كانوا في مؤسسات تعليمية أو في غيرها من المؤسسات. فحالة الإحباط التي نتحدث عنها ليست أمراً ندعيه أو نبالغ في تصويره لانها واقع ربما لم يتم الالتفات إليه رغم اهتمام الدولة في الوقت الراهن بالتعليم والكوادر البشرية العاملة فيه، الأمر الذي يتطلب لفت الانتباه للحفاظ على هذه الثروة التي ربما نفقدها في غفلة منا.
منذ أيام صرح نائب رئيس جمعية أعضاء هيئة تدريس جامعة الإمارات قائلا إن أعضاء الهيئة يشعرون بالإحباط لتدني رواتبهم وعدم حصولهم على الامتيازات والزيادات المستحقة.
كما ان عددا من الاكاديميين المواطنين أسروا إلينا بحالة الإحباط التي تتملكهم ليس بسبب تدني رواتبهم مقارنة برواتب الموظفين في الدوائر والمؤسسات والهيئات المحلية والاتحادية فحسب، بل بسبب عدم إتاحة الفرصة لهم للمشاركة في كل ما تشهده الدولة من نهضة تنموية لابد وان يساهموا فيها عمليا دون الاكتفاء بعطائهم النظري في الفصول الدراسية، والذي لا يمكن ان يساير احتياجات الدولة في الوقت الراهن.
لا ينكر بعضهم وفرة الحظ لبعض الأكاديميين الذين حظوا بفرص تقديرية، مادية كانت أو معنوية لكن حصول فئة على تلك الفرص لا ينبغي ان يكون سببا في حرمان غيرهم.
حالة إحباط الأكاديميين ليست بالأمر الهين فهي إن انعكست سلبا في الوقت الراهن على نفسيتهم وعطائهم كأكاديميين انعكست بالتالي على الجيل القادم الذي قد ينكفئ عن مواصلة دراساته العليا وقد يجد ان في ذلك مضيعة للوقت، وهو الأمر الذي قد يتسبب في خسارة كبيرة للوطن الذي لا يألو جهدا في دعم التعليم وتحفيز المتعلمين على مواصلة تعليمهم ودراساتهم العليا لنفع دولهم.
إذا كان صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي قد خصص مؤسسة بأكملها لدعم المتعلمين في العالم العربي لزيادة حصيلة المنطقة المعرفية، وإذا كان المواطنون الأكاديميون قد انطلقوا لتحصيل المعرفة منذ وقت طويل وأثبتوا جدارتهم وكفاءتهم فأين هو الخلل الذي يتسبب في إحباطهم؟
هل هو في مؤسسات تعليمية لا تحسن احتواء الثروات التي تعمل فيها، مقابل احتوائها للغير ممن تستعين بهم من الخارج؟ ام ان الخلل في مؤسسات لا تضع خططا يمكن من خلالها تفعيل ادوار الأكاديميين والاستفادة من علومهم ومعارفهم في الواقع الميداني الذي لا يخلو من فرص تتطلب وجود أمثالهم في هذه المؤسسات والهيئات؟
عدد مواطني الدولة اليوم ربما لا يتجاوز 10% من إجمالي عدد السكان، والإمارات كدولة لا تنقصها الرؤى ولا الخطط الاستراتيجية لدعم النمو المعرفي، وهي بما حباها الله تشهد اليوم نموا اقتصاديا غير مسبوق ليس بسبب عوائد النفط فحسب بل بسبب التغيرات والسياسة الاقتصادية التي تنتهجها، فما الذي ينقصها كدولة ليصبح 10% أو 15% من سكانها كلهم من الحاصلين على الماجستير والدكتوراه وما هو أعلى من ذلك؟
سؤال نعرف ان الإجابة عليه موجودة لدى المسؤولين عن المؤسسات التعليمية الذين لابد وان يلتفتوا إلى إحباط الأكاديميين فيعملوا على إنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان، وقبل ان نخسر ثروات بشرية لا غنى لنا عنها مهما تعاظمت ثرواتنا المالية والعمرانية. هذا ما نأمله وما نتمناه.
بقلم :ميساء راشد غدير