انتقل إلى المحتوى

 

في الوقت الذي كانت فيه وزيرة التربية والتعليم الأميركية تزور المنطقة وتلتقي بالمسؤولين عن التربية والتعليم وتوقع اتفاقيات التعاون معهم، نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية مقالاً للكاتب الصحافي «لي هدسون تسليك» مساعد رئيس تحرير دورية «فورن أفيرز» تحت عنوان «أبجديات التعليم العراقي».

 

يبدأ المقال بالحديث عن مجموعة صغيرة من الطلاب العراقيين تحاول أن تعيش تجربة الدراسة في الجامعات الأميركية داخل مجمع يحرسه أفراد من الشرطة الكردية حيث يجلس الكاتب في أحد الصفوف التابعة للجامعة الأميركية العراقية التي فتحت أبوابها هذا العام في مدينة السليمانية.

 

في يوم امتحان الدفعة الأولى من الطلاب الذين يؤدون امتحانهم الأول يلقي الكاتب نظرة على ورقة الامتحان. كان السؤال الثالث كالتالي: هل تتفق أم تختلف مع مقولة إن العراق عام 2003 كان مرشحاً بصورة جيدة لتحول ديمقراطي ناجح؟ أذكر سبب اتفاقك أو اختلافك مع هذه المقولة.

 

يقول الكاتب إن الهدف من إنشاء هذه الجامعة ليس تعليم أيديولوجية محددة، وإنما تعريف العراقيين على المدرسين الغربيين وعلى بيئة التدريس الغربية، حيث تركز على التفكير النقدي وعلى البحث الأكاديمي خلافا للنموذج القائم في العراق الذي يركز على أسلوب التلقين.

 

إلى هنا ربما يبدو الموضوع طبيعياً لا يخرج عن الإطار الأكاديمي الذي يجب أن يدور فيه، لكن الكاتب ينتقل إلى الجانب الذي نعتقد أنه الأهم عندما يقول إن ظهور الجامعة الأميركية العراقية في السليمانية ومثيلاتها من الجامعات في الشرق الأوسط يمثل فرصة سياسية سانحة يتعين على الولايات المتحدة استغلالها في إطار عملها على تحسين صورتها في المنطقة.

 

فهناك مجموعة من العوامل، بدءاً من الضعف النسبي للمؤسسات الأكاديمية المحلية، إلى الشريحة المتضخمة من الشباب في الشرق الأوسط، إلى الصعوبة المتزايدة في الحصول على تأشيرة للدراسة في الولايات المتحدة أو أوروبا، تجعل الفرصة سانحة بشكل خاص لكي تقوم واشنطن باعتماد الدبلوماسية البيداغوجية (التربوية).

 

ثم يمضي مؤكداً فكرته هذه قائلا إن التحول نحو إنشاء مؤسسات تعليمية مصمَّمة على غرار النموذج الليبرالي الأميركي يحظى بزخم كبير في الشرق الأوسط، فقد انضمت مؤسسات جديدة إلى الجامعتين الأميركيتين القديمتين في القاهرة وبيروت، فهناك الآن جامعات أميركية جديدة في الأردن والمغرب، واثنتان في الإمارات العربية المتحدة واحدة في دبي والأخرى في الشارقة.

 

وهناك جامعة ثالثة في الإمارات قيد التنفيذ، وهي عبارة عن مشروع مشترك تقوم فيه جامعة نيويورك باستنساخ نفسها في أبوظبي بتمويل من الإمارات. وتبنت المملكة العربية السعودية مؤخراً مشروعاً ضخماً لبناء جامعة تكون على غرار معهد «ماساشوستس» للتكنولوجيا في محيط مدينة جدة، حيث يقول القائمون على مشروع الجامعة إن رجال هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سيمنعون من دخولها، وأنه سيسمح للرجال والنساء بالدراسة فيها جنباً إلى جنب.

 

واستثماراً لهذا التوجه من قبل دول المنطقة إلى النموذج الليبرالي الأميركي في التعليم - كما يرى تسليك - فإنه يتعين على الولايات المتحدة أن تتبنى هذه المشاريع، وفي بعض الأحيان تساعد في دعمها مالياً، ليس من منطلق العمل الخيري وإنما المصلحة الذاتية.

 

ثم يخلص إلى أن تطبيق نموذج تعليمي أكثر ليبرالية ربما لا يقضي على نفوذ الراديكاليين المتشددين تماما، ولكنه يمثل طريقة للتواصل مع الشرائح الأوسع من سكان الشرق الأوسط، الذين يبدي جزء كبير منهم استياءه من واشنطن ويعبر عن مشاعر متباينة إزاء الأفكار الإسلامية المتشددة.

 

وبخلاف الراديكاليين، فإن هذه المجموعة لها حصة في المستقبل الاقتصادي للمنطقة. ومهما يعتقدون بشأن الولايات المتحدة، فإنهم ما زالوا يوازنون بين الجامعات الأميركية والفرص. وإذا كان بمقدور المؤسسات التعليمية في الشرق الأوسط أن تنتج خريجين مؤهلين ومستعدين للاندماج في قوة العمل الدولية، عبر تقليد النموذج الليبرالي الأميركي.

 

فإنها ستساعد بذلك على تخفيف الفقر والعزلة والعوامل الأخرى التي تقود الشباب إلى التشدد. وهذا بدوره سيؤدي إلى زيادة في إنتاج النفط، وبخاصة في العراق، وسيقلل من تقييمات المخاطر الجيوسياسية في المنطقة. نعتقد أننا اجتزنا مرحلة الطفولة السياسية والفكرية التي يظن بعض الغربيين أننا ما زلنا ندور في فلكها.

 

ولذلك فنحن ندرك جيداً أن البراءة لا مكان لها في التعامل مع مثل هذه الأمور، بل إن البراءة في التعامل مع هذه القضايا سذاجة وتخلف عقلي لا نظن أننا سنبقى نعاني منهما إلى الأبد. لذلك نرى أن دعوة الكاتب لصناع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأميركية إلى استثمار مبالغ أكبر في مبادرات تندرج تحت ما يسمى بـ «القوة اللينة» .

 

مثل التعليم فيما وراء البحار إنما هي دعوة إلى استعمار من نوع آخر، يجنب المستعمرين الجدد نزيف الأرواح الذي يتعرضون له في مناطق الاحتلال الجديدة التي غزوها بعد أن ظننا أن زمن الاحتلال والاستعمار قد ولى إلى غير رجعة.

 

إن «القوة اللينة» التي يدعو الكاتب إلى استخدامها من خلال دبلوماسية التعليم مستخدمة فعلا وموجودة على الأرض، نشاهدها في أكثر من صورة؛ تتمثل في الدعاية الرمادية عبر القنوات الأجنبية المتخصصة التي تقدمها دولنا مجانا.

 

بل وتصرف عليها لترسيخ النموذج الغربي بين شبابنا وشاباتنا على وجه الخصوص وفي مجمعاتنا العربية بشكل عام، وتتمثل في الضغوط السياسية والمساعدات الاقتصادية والتعاون الثقافي من أجل الاحتواء، حتى إذا ما فشلت هذه القوة في تحقيق أهداف الدول العظمى تحولت هذه الدول إلى استخدام «القوة الصلبة» المتمثلة في العنف والإرهاب وأساليب الاغتيال والحرب الاستباقية.

 

لهذا نعتقد أنه كان من الأفضل لـ «لي هدسون تسليك» لو جعل عنوان مقاله «أبجديات التعليم الأميركي» بدلا من «أبجديات التعليم العراقي» فكل الشواهد تقول إن أبجديات هذا التعليم تغرس في كل البلدان العربية، وليس العراق استثناءً.

آخر تحديث للصفحة 15 سبتمبر 2025