انتقل إلى المحتوى

 

أصبحت عملية توجيه سلوك الطلبة مسؤولية كبيرة خاصة في ظل تغير واقعهم وبروز مشاكل جديدة نتيجة مؤثرات خارجية عدة،ولم يعد الاختصاصي الاجتماعي في المدرسة قادرا وحده على مواجهتها.

 

والكثير من السلوكيات السلبية تحتاج لوجود الوازع الديني ودعم الهوية الوطنية في نفس الطالب لتكون منبع سلوكه وتفكيره، فإين دور معلم التربية الإسلامية بشكل خاص والذي كان معروفا في الماضي في توجيه الطلبة وحل مشكلاتهم، أم أنه بالفعل يواجه تحديا كبيرا مع طالب اليوم ومطالب بمواجهة ما يسمى «بالمنهج الخفي».

 

تحول للتطبيق

 

د. نصر عارف رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة زايد ورئيس فريق تأليف مناهج التربية الإسلامية المطورة اعتبر أن إشكالية توجيه سلوك الطالب وبناء شخصيته ودور المعلم فيها تنقسم لمستويات عدة، فالمستوى الأول مرتبط بمجموعة مواد ومساقات المنهج، فهناك مواد مهمة في تكوين شخصية الطالب وهي التربية الإسلامية والتربية الوطنية والاجتماعيات، ومن خلالها تبنى شخصية الطالب، والمشكلة فيها تمثلت في تقديمها للطالب كمواد بينما المطلوب أن تحول لسلوكيات وواقع حياة.

 

المستوى الثاني وهو الواقع، فالتربية الإسلامية اليوم بمناهجها المطورة قائمة على ترسيخ منظومة من القيم في عقول ونفوس الطلبة، حتى الفروض يتم تعلمها من خلال هذه المنظومة، زيادة على ذلك تخصيص جزء أساسي من المادة لدروس «الاتيكيت» والأخلاق المرعية في المواقف المختلفة، كأخلاقيات المشي في الأسواق والتعامل مع الآخر ومواجهة المواقف وتناول الطعام، فهذه الجوانب لم تكن موجودة من قبل، والمنهج اليوم مبني على طرق التفكير فالمادة سلوكية وأخلاقية يتعلمها الطالب ليطبقها.

 

دائرة كهربائية ثلاثية

 

أما المستوى الثالث فيرتبط بمن سيطبق المنهج وهو المعلم، وأشار هنا إلى وجود ثلاثية أساسية تمثل دائرة كهربائية متصلة وهي «المنهج والمعلم والأسرة»، وبالنسبة للمنهج تم بذل أقصى الجهود الممكنة لتطويره.

 

ولكن بالنسبة للمعلم فلاتزال عمليات التدريب على المنهج محدودة، ولتحقيق أهدافنا من المنهج لا بد أن يستوعب المعلم أهدافه وكيفية تطبيقها وأن تساند الأسرة تلك الجهود،لذا فان وزارة التربية والتعليم مطالبة بتفعيل عملية التدريب بشكل أكبر لأنها غير كافية للآن، ويفضل ألا يقوم مؤلفو المنهج بل لا بد من التعامل مع خبراء في التدريب يقوموا بتدريب المعلمين بعد الاطلاع على المناهج لأنهم سيكونون أكثر فاعلية في توصيل كيفية تفعيل مفردات المنهج وأهدافه.

 

الإقناع من منظور ديني

 

بدرية خوري موجهة التربية الإسلامية في تعليمية أبوظبي أشارت إلى دور معلم التربية الإسلامية في السابق والذي كان يخرج عن فكرة تدريس مادة إلى الاقتراب من مشاكل الطلبة الشخصية والسلوكية وحلها بالتوعية والإقناع من المنظور الديني والأخلاقي دونما اللجوء للإجراء الإداري، وذلك من واقع تجربتها كمعلمة في السابق،فالطالب دائما بحاجة لمن يسمعه.

 

معتبرة أن هذا الدور تراجع في الميدان لأسباب عدة أهمها ضغوط ومتطلبات العمل الملقاة على عاتق المعلم، ووجود من يتعامل مع التدريس كوظيفة وليس كرسالة تعليمية تربوية متكاملة، مشيرة إلى أن الصورة ليست قاتمة تماما فهناك مدارس لديها جهود متميزة في الاهتمام بالطالب خاصة مع المناهج الجديدة التي تجعل المادة سلوكا بالإضافة إلى أن أداة الملاحظة في التقويم المستمر جعلت المعلمة أكثر تركيزا على تصرف الطالبة.

 

استغلال لغة الإعلام

 

ورأت خوري أن المدرسة تبني قدر الإمكان ولكن الفضائيات تهدم بمسلسلاتها وبرامجها كل شيء، فهذه الوسائل اليوم أقوى من المدرسة، متسائلة عن البرامج التي تحمل محتوى مفيدا ومشوقا للطفل أو الطالب وخاصة من هم فوق سن الـ 15 فقط لديهم مسلسلات تحمل أفكارا غريبة علينا وتروج لها، وللأسف الجميع يتعامل معها ببساطة .

 

كما هو الحال في موجة المسلسلات التركية وما حملت من أفكار غير ملائمة لمجتمعنا، مطالبة بالعمل على استغلال لغة الإعلام التي يتأثر بها الطالب اليوم في تقديم مواد ايجابية فالإعلام اليوم يربي ويعلم وليس الأسرة، فالطالب اليوم يتمرد لمجرد التمرد بلا هدف ويناقش حتى في البدهيات، لذا فإننا بحاجة لعمل موسع لحماية أبنائنا الطلبة وضرورة الاهتمام بالأنشطة الجاذبة أكثر في المدارس لأن الطالب لديه طاقة بحاجة لتفريغها.

 

أدوار المعلم

 

محمد المنصوري موجه تربية إسلامية ومن اللجنة الواضعة للمناهج الجديدة ذكر أن الواقع الميداني اليوم مختلف عن السابق فمشاكل طالب الأمس كانت محددة ومعروفة وعلاجها سهل ولكن اليوم لدينا طالب مختلف بواقع جديد.

 

حيث تجاوزت المشاكل المتعلقة ببر الوالدين والالتزام بالفرائض وأصبحنا نرى سلوكيات غريبة تأثر فيها الطالب بالانفتاح الإعلامي لعدم وعيه بما يأخذ وما يترك، فأصبح ارتباطه بالهوية وبثقافته ضعيفا وبدأ ينسلخ عن مفاهيمه وتراثه لذا فإننا بحاجة إلى خطة عمل متكاملة لعلاج ذلك.

 

وقال إن دور المعلم منقسم إلى فئتين إما معلم لديه دافع ذاتي ورسالة يريد أن يؤديها أو آخر يؤدي دوره في توصيل المعلومة فقط، فدور المعلم يتدهور بشكل واضح لأسباب متنوعة، ولابد من استعادة هذا الدور في توعية وتوجيه سلوك الطالب، فالمعلم نفسه بات منهزما أمام مشاكل طلابه خاصة وهو مكلف بأدوار أخرى ومهام جديدة، ورغم ذلك فإن البعض لم يتراجع دوره.

 

جيل يعتز بدينه

 

وذكر المنصوري أن الأسرة والمدرسة لديهما دور مشترك في توجيه الطالب وعلاج مشكلاته، ويجب أن نتوقف عن اعتبار المدرسة المسؤول الأساسي بحجة الوقت الذي يمضيه الطالب فيها، مشيرا إلى انه المناهج الجديدة للتربية الإسلامية وضعت استنادا لدور المعلم في توجيه الطالب وبناء شخصيته،بحيث لا تقدم معارف صماء.

 

كما كان الوضع سابقا بل مناهج تعتمد على المعرفة التطبيقية بربط القيم بسلوك الطالب ومتابعة ذلك في المدرسة ومن خلال التواصل مع الأسرة،لأن الهدف إخراج جيل متميز علميا وأخلاقيا مرتبط بهويته ومعتدل في دينه يؤدي الفرائض ويؤمن بقيمه الأساسية ولديه إحساس بعزة المسلم.

 

وأضاف أنهم من ذلك المنطق وجهوا المعلمين إلى ربط التقويم بأداء الطالب مثل متابعة التزام الطالب بالصلاة وطاعته لأهله وغيرها من الواجبات الدينية، ودفعه لأدائها بالإقناع والحوار وليس بالإلزام لأجل الدرجات. مشيرا إلى أن المراحل التأسيسية التي تعاملت مع المناهج المطورة تحدثت عن نتائج جيدة ومطمئنة، ودعا صديق الأسرة لقراءة مناهج التربية الإسلامية والتفاعل معها.

 

تفكير منفتح مع المراهق

 

أما نصر الدين عبد الرحيم اختصاصي اجتماعي بمدرسة الصقور النموذجية، ذكر أنه دائم الاهتمام بدعوة المعلمين وخاصة التربية الإسلامية للتعاون معهم في توجيه سلوك الطلبة وتنمية الوازع الديني والهوية الوطنية لديهم.

 

ولكل معلم اجتهاده ومبادراته فمنهم من يتفاعل بشكل كبير وآخرون ينصب اهتمامهم في توصيل المادة العلمية فقط، فالاختصاصي الاجتماعي لديه خطط متابعة وتوعية ولكن إذا أضيف لها دور المعلم ستكون النتائج أفضل بكثير خاصة إذا ما اكتسب المعلم محبة واحترام طلابه، لأن البعض قد لا يكترث لشعور الطالب به أو نظرته له فالمهم أنه يؤدي وظيفته لا أكثر.

 

وذكر أن طلبة الحلقة الثانية بالذات بحاجة لمن يقترب منهم ويتفهم طبيعة أحاسيسهم فهم في سن المراهقة والمغريات أمامهم كثيرة، والتعامل الأمثل معهم في أن تعاملهم كأفراد مسؤولين تشاركهم الحوار والنقاش وتستمع لحديثهم وتطرح لهم القيم من خلال القصص والنماذج والمناقشة وليس بالأسلوب المباشر، فلا بد من التفكير المنفتح مع الطلبة وعدم التخوف منهم، فالعلاقة معهم أنجح لو كانت أسرية وبها احترام وصداقة وليست علاقة مهنية.

 

آخر تحديث للصفحة 01 يناير 2020