اللغة العربية هي لغة القرآن الكريم ولسان الوحي الذي انزل به، ومع الوقت صارت من أهم مقومات شخصية الأمة العربية والوعاء الذي احتوى ابداعات ابنائها وأوصلها الى حضارات أخرى. ورغم ذلك فإن مستوى اللغة العربية تدنى لدى طلاب المدارس وتحولوا عنها الى دراسة لغات أخرى، ولم يعد بينهم وبينها تواصل حتى أصبحت غريبة في وطنها مع الاهتمام باللغات الاجنبية على حسابها واعتبار من يحرص على التحدث بها في بعض الحالات متخلفاً عن ركب التقدم. بعض المتخصصين أكدوا أن السبب في ما يجري للغتنا الاهتمام الرسمي باللغات الاجنبية واهمال المدارس لها، وضعف الجامعات والجمود الذي اصاب المنهج فأصبح يعتمد على تأليف النصوص التي تفوق مستوى الطلاب ولا تتفاعل معهم أو تسهم في حل مشاكلهم مما يزيد نفورهم من لغتهم.. في هذا التحقيق نتناول أزمة اللغة العربية وأسبابها وسبل تجاوزها.
تحقيق: محمد هجرس
د. محمد البحتري موجه اللغة العربية بمنطقة الشارقة التعليمية وعضو جمعية حماية اللغة العربية يؤكد أن أسباب تدني مستواها عند طلاب المدارس وتحديداً الخاصة، يرجع الى عدم تنظيم العملية التعليمية داخلها، ومعاملة اللغة العربية على أنها من عالم آخر وترسيخ هذا المفهوم لدى التلاميذ وتوجيههم الى دراسة الانجليزية وغيرها على اعتبار أن المجتمع أصبح عصرياً يواكب التقدم في كل شيء. ويشير الى أن امتحانات اللغة العربية في جميع المدارس، حتى الحكومية أصبحت لا تركز على الجانب الشفوي الذي يعتمد على المواجهة بين الطالب والمعلم، بجانب عدم استخدام بعض المعلمين للغة العربية السليمة. وأضاف البحتري أن بعض طرائق معلمي اللغة العربية في التعليم لا تترك مجالا للطالب ليتحدث أو يكتب مع عدم التركيز على حفظ النصوص الأدبية الجيدة من الأدب العربي، والشعر الانساني الخالد الذي يتناول المشاعر والأحاسيس.
ويطالب موجه اللغة العربية بمنطقة الشارقة التعليمية بضرورة وضع خطط علاج مبرمجة تتناول الطلبة الضعاف من خلال أوراق العمل والتكليفات اليومية والواجبات المنزلية.
وعن اساليب العلاج قال د. البحتري: لا بد من بدء معظم الحصص ببيت من الشعر أو حكمة أو عبارة أدبية ميسورة ومن خارج الكتاب المدرسي، في حدود خمس دقائق، وهو ما ينفذ فعلاً داخل معظم مدارس الشارقة. الى جانب اجراء مسابقات في الخطابة وإلقاء الشعر والكتابة الأدبية على مستوى المدرسة، وتزويد المكتبات المدرسية بقصص وحكايات مصورة تناسب المرحلة، يطالع فيها الطلاب أنماطاً من الطرائف والقصص باللغة العربية، ويمكن أن يحاكوها. ولا بد من تفعيل يوم اللغة العربية الذي يرعاه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وابراز أنشطة كتابية وخطابية في هذا اليوم الذي يمتد طوال أسبوع دراسي، والتواصل مع جمعية حماية اللغة العربية بالشارقة.
ويؤكد د. عبدالعزيز فاصي الجيل أستاذ النحو والصرف بقسم اللغة العربية والدراسات الاسلامية بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا أن اللغة العربية متدنية عند الطلاب بسبب الضعف الذي تعيشه الأمة في شتى مجالات الحياة ويقول: إن علينا الاقرار بذلك لأنه بداية العلاج، وان المكابرة من دون تشخيص تؤدي الى عدم النهوض، موضحاً أن معظم الطلاب العرب لا يقبلون بحب وشغف على دراسة اللغة العربية في الكليات، وانما الظروف هي التي تجبرهم على ذلك كارهين.
وقال: لو أن الذين يدرسونها من خيرة الطلبة لأصبح وضع المدارس والجامعات أفضل، لكن أن يدرسها الضعيف فإننا لن نجني إلا ما وصلنا اليه الآن، لذلك تفترض تنميتها عن طريق إعادة الاعتبار لأصحابها وتوظيفهم فور تخرجهم. واشار الى أن اللغة العربية ليست قواعد ولكنها استعمال في الحياة العامة، وأنها تحيا بهذا الاستعمال، فإذا كان تخاطب الناس وتعاملهم بهذه اللغة فإن مكانتها تكون كبيرة، ويعاد لها اعتبارها. ويشير الى أنه لا يطالب الناس بالتحدث باللغة الأدبية الراقية وانما بأن يستخدموا لغة مفهومة ميسرة يفهمها عامة الناس وخاصتهم.
وأكد أن عدم ارتباط اللغة العربية بالدين وبالقومية يؤدي الى عدم اقبال الناس عليها، موضحاً ضرورة ان يعلم الجميع أنها لغة الوحي والقرآن والسنة المطهرة ولغة العرب، وأن كل أمة لا تعتز بلغتها هي أمة ضائعة في مهب الريح لأن اللغة من أهم مقومات شخصية الأمة. ويطالب بالنظر الى اللغة باحترام وتقديم أهلها والمتحدثين بها على غيرهم، كما كان يفعل السلف الصالح حتى وصل الأمر الى بعض علماء فارس الذين دخلوا في الاسلام وأصبح الواحد منهم يعتز بتلك اللغة لأنها لغة الدين، حتى انفعل احدهم وقال: لأن أهجى بالعربية أحب الي من أن امدح بالفارسية، مما جعل اللغة العربية تسري في العالم وتنتشر في كل الربوع ويتنافس الناس على تعلمها.
إعادة الاعتبار
ويتساءل محمد حسن مدير إدارة مدرسة محمد بن راشد الثانوية بدبي عن سبب انتشار اللغة العربية في فترة الفتوحات الاسلامية وتحول ألسنة العالم الى النطق بها، خاصة الذين لم يكونوا عرباً في الأصل وانما تعربت ألسنتهم لما دخلوا في الاسلام، وعرفوا أن تلك اللغة هي لغة الاسلام والدين والقرآن. ويشيرا الى أنه إذا أردنا أن نعيد الى تلك اللغة اعتبارها وان يتحدث بها ابناؤنا، وأن نرتقي بمستويات طلابنا ينبغي وضع خطة استراتيجية نرفع بها الطالب والكتاب والمنهج والأستاذ، فإذا لم يوضع كل ذلك في الاعتبار فسنبقى نتخبط ولا يكون لنا وزن بين الأمم.
ويؤكد حسن أن مدرس اللغة العربية إذا لم يعط المنزلة اللائقة به، ويتقاض الراتب الذي يستحق، وتفتح له الفرص كما تفتح لسائر أصحاب التخصصات الأخرى، فإنه من المستحيل لنا أن نرى مستوى طلابنا في العربية تحسن، ولا ابناءنا تحلوا بالأصالة وحب التراث والتطلع للمستقبل. ويوضح أنه لا يعني بذلك أن ننغلق ولا نستفيد من الحضارات الأخرى، ولا نتعلم اللغات الاجنبية، وإنما نريد كل ذلك ولكن لا ينبغي أن يكون على حساب الهوية واللغة القومية.
وقال إن مادة اللغة العربية ليست سهلة لكن نسهل أمورها، ولكن علينا الاهتمام بها عن طريق وضع منهج قوي يساعد على تعمق الطلاب، واختيار المدرسين المناسبين، وعدم التساهل مع القيادات التي تنظر اليها نظرة متدنية وتتجه الى اللغات الأخرى حتى نجعل الأسر تغير من اتجاهها الى المدارس الاجنبية.
وأشار الى أن الجامعات العربية أصبحت ضعيفة وبالتالي أصبح خريجها ضعيفاً، وليست لديه موهبة اللغة مثل الشعر والقصة والمقالة والخطابة، وتحول الى العدم في شتى المجالات، موضحاً أن الطالب يحب اللغة إذا رأى ابداعات لدى معلمه. وأكد أن أسلوب تعامل اللغة العربية بأقل من الانجليزية مصيبة كبرى، مما يدعونا الى المطالبة بالعودة اليها والتعمق فيها، وكيفية كتابة الجملة واخراج البديعيات، بعد أن تحولت الامتحانات الى ما يشبه “التيك أواي” وغاب عنها الهدف عن طريق اللخبطة المتعمدة في ورقة الأسئلة، مما جعل الطالب يشعر بعدم احترام تلك اللغة، خاصة داخل المدارس الخاصة التي لا تجد رقابة من قبل وزارة التربية والتعليم التي اهملت البرامج والفاعليات الخاصة باللغة العربية.
في المقابل ترجع جميلة الزين الخبيرة في مجال التعليم ومديرة مدرسة المعارف الخاصة للتعليم الأساسي بدبي تدني مستوى اللغة العربية لدى الطلاب الى اسباب اجتماعية، وتربوية، واسرية، مشيرة الى عدم وجود تقصير من وزارة التربية والتعليم التي تقيم العديد من الفعاليات الخاصة باللغة العربية وتقدم الجوائز الى الطلاب والمعلمين الذين يحققون مراكز عالية فيها، والجميع يشهد بذلك. وأكدت أن اللغة العربية أصبحت من وجهة نظر الأب موضة قديمة لذلك يسعى الى ضرورة ان يدرس ابنه في المدارس الأجنبية التي لا تهتم مطلقاً باللغة العربية، ويتفاخر الأب بأن ابنه يدرس فيها.
وأوضحت الزين أنها كل بداية عام دراسي تفاجأ ببعض أولياء الأمور يدخلون عليها ويسألون: هل تدرسون المناهج الاجنبية؟ وعندما تحاول ان تفهمهم، تجدهم يذهبون للبحث عن المدارس التي يريدونها، مشيراً الى ضرورة تنظيم العديد من البرامج والندوات سواء في التلفزيون، أو في المؤسسات الحكومية أو الخاصة لتوعية الآباء بخطورة ما يقدمون عليه على مستقبل الابناء والوطن، لأن اللغة من أهم مقومات الدولة. وقالت: هناك عامل آخر يعد من أهم عوامل ضعف اللغة وهو وجود الخادمات داخل البيوت وتمضية اليوم كاملاً مع الابناء سواء في وجود الأب والأم، أو في غيابهما، مؤكدة أن الطفل حتى سن الثماني سنوات يكون عبارة عن آلة تسجيل، فما بالنا اذا كان الحوار بينه وبين الخادمة يكون بلغتها الاجنبية؟ وأضافت أن المناهج الدراسية أصبحت الآن في حاجة الى دراسة من قبل متخصصين بشرط أن تكون مرتبطة بالبيئة والمجتمع، وأن تكون هناك لغة صحيحة يتخاطب بها الطفل خصوصاً في المرحلة الأولى من التعليم، متمنية وجود منهج عربي موحد والعمل على ضرورة نسيان المنهج الانجليزي والأمريكي الذي من المفترض أن يصبح لغة ثانية.
المتخصصون ضيعوها
يقول د. أحمد طاهر حسنين مدير فريق تطوير منهج اللغة العربية بوزارة التربية والتعليم أن الاهتمام باللغات الأخرى ظلم اللغة العربية ظلماً كبيراً، حتى في ساعات الدراسة أصبح نصيبها أقل بكثير من الانجليزية التي استحوذت على معظم الوقت، مشيراً الى أن الأنشطة الموجودة في اللغة الانجليزية تخدم الطلاب وتجذبهم الى الاهتمام بها، عكس اللغة العربية التي أصبح منهجها الدراسي جافا ويحتوي على نصوص أعلى من اهتمامات الطلاب ولا تلبي الهوايات لديهم، ولا تهتم بحاجاتهم، مما جعل الطالب ينصرف عنها.
وأكد أن المتخصصين ضيعوا اللغة، بعد أن قدموها للطلاب بالفصحى الجامدة مما قتل التواصل بين الاثنين، بجانب ان الناس يرون أنه أصبح من شروط التوظف التحدث بالانجليزية وكتابتها مما اسهم في البعد عنها، ولم يعد لها وجود إلا في الحفاظ على كينونتنا كعرب وقراءة القرآن الكريم، موضحاً أن المصيبة في التعليم الذي جعل المنهج عبارة عن تأليف نصوص كلها مثاليات بلا طعم أو رائحة، وبعيدة عن الواقع الذي يعيشه الطالب. ويقترح د. حسنين اذا كنا جادين في الحفاظ على اللغة العربية وتحبيب طلابنا فيها علينا ان ننشئ مكتبة داخل كل فصل دراسي وأن تكون هناك حصة للقراءة الحرة المقننة، مع عدم تخويف الطلاب من الامتحانات، وضرورة إعادة النظر في الكتب الدراسية ووضع اشياء مشوقة داخلها حتى يجد الطالب نفسه فيها، وحلولاً لمشكلاته.