انتقل إلى المحتوى

كثيرا ما شعرتُ بالاستياء من نمط «الحياة الجامعية» التي يعيشها «بعض طلابنا وطالباتنا في «بعض» جامعاتنا، وأجدني هنا حريصة على تجنب التعميم، لأنني أعرف أن أجواء الحياة الجامعية في «بعض» جامعاتنا الآخر تفوق كل التصورات والتوقعات، وعندما يدخل إليها الطلبة فإنهم لا يرغبون في الخروج منها، لأنهم يجدون أنفسهم ـ بكل جوانبها وميولها ـ فيها.

هذا الكلام ينطبق على دخولهم اليومي إليها في الصباح لحضور المحاضرات، وعدم خروجهم منها إلا حين توشك عقارب الساعة أن تدقّ معلنة انتصاف الليل، كما ينطبق على شعورهم حين يقترب موعد تخرجهم، إذ يشعرون برغبة في تأجيل هذه اللحظات ـ المفرحة بذاتها ـ لأنهم يدركون جيدا أن ما يجدونه من «حياة» داخل أسوار الجامعة، لن يجدوه خارجها مهما كان الوضع جميلا في مكان العمل.

إذا تركنا هؤلاء على حدة، وتركنا أيضا العينة المتفاعلة إيجابيا مع واقعها كطلبة جامعة في بقية الجامعات، وركزنا على العينة المتبقية، وهي تلك التي تدخل الجامعة وتتخرج فيها وهي لا تدرك قيمة المرحلة التي مرّت بها مرورا عابرا، لا يسجل في صفحات نفسها وذاكرتها شيئا، ولا هي تسجل على صفحات هذه المرحلة ضمن حدود الجامعة أثرا يبقيها موجودة حتى بعد تخرجها، فإننا سنجد أن عددا كبيرا من طلبتنا يعانون من غياب «روح» الحياة الجامعية.

كنتُ في كثير من الأحيان أنتقد طالباتي لعدم قدرتهن على خلق أجواء جامعية حقيقية، تتجاوز حضور المحاضرات، والجلوس في صالات المطاعم، أو التسكع على غير هدى بين المباني المختلفة في الجامعة، حين يسمح الطقس بذلك طبعا. يوجد جوّ من السلبية يخيّم على روح الطالبات والطلاب عندنا ـ في «بعض» جامعاتنا ـ وكأن كل واحدة وكل واحد منهم أُجبر على دخول الجامعة، ولو تُرك له الخيار لما دخلها.

بإمكان أي زائر لهذه الجامعات أن يلاحظ غياب روح الجامعة، وبقاء قالبها الخارجي، وهو القائم على المحاضرات التي يجب أن تحضرها الطالبة أو الطالب، وإلا حرموا من دخول الاختبار النهائي للمادة. إذن هناك سبب يحثّهم ـ أو يحثّ بعضهم ـ على حضور المحاضرات وعدم الاكتفاء بالدراسة في المنزل ودخول الاختبار النهائي، وهو الحرمان من دخول هذا الاختبار في حالة تكرر الغياب أكثر من أربع مرات في الفصل دون عذر قاهر، طبي غالبا.

وحضور المحاضرات، لهذا السبب، يعني أن الحضور وعدمه سواء. هذا ما يشعر به كثير من الأساتذة حين يبدأ أحدهم بالحديث والشرح، ويستفسر بين حين وآخر إن كان كل شيء واضحا ومفهوما، ولكنه لا يكاد يسمع صوتا مجيبا.

وإن وصله رد فهو إما أن يصل من طالبة مجتهدة تكون هي ملح القاعة، ومحركها الذي يبث فيها الحياة، أو من طالبة تجلس في القاعة وهي تنظر إلى الساعة تنتظر انقضاء مدة المحاضرة، فتكون حريصة على أن تقول إن كل شيء واضح ومفهوم، حتى لا يكرر الأستاذ الفكرة ذاتها وينتقل إلى غيرها فينينتهي الدرس ربما قبل موعد المحاضرة، أو قد يصل الرد إيماء من عدد من الطالبات اللواتي لا يشعرن بالرغبة في الحديث، وقطع حالة الصمت التي يعشنها بمجرد دخول القاعة حتى خروجها.

يوجد شيء مفقود في مثل هذه الحياة الجامعية، وهذا الشيء المفقود هو الذي يزرع في نفوس الطالبات والطلبة الإحساس بالرغبة عن تمثّل دور الطالب الجامعي بكافة تفاصيله، مع أنه دور ممتع ومثير وغني بالكثير من اللحظات التي ستحتفظ بها الذاكرة سنوات طويلة، وستكون زوادة تسعف في السير في رحلة الحياة، بكل ما فيها من صعود وهبوط، ومنحدرات ومنعرجات، تحتاج إلى نفسية قادرة على مواجهتها بذاكرة جميلة على الأقل.

إن من أهم مقومات الحياة الجامعية «الطبيعية» ـ في رأيي ـ وجود أنشطة طلابية متنوعة، ما بين محاضرات ورحلات وحفلات سمر، ومهرجانات طلابية، ومؤتمرات علمية، وغير ذلك، وهي أمور يحظى بها طلبتنا في معظم جامعاتنا، ولكن ليس بالقدر الكافي من جهة، وليس بالكيفية المطلوبة من جهة أخرى.

ومثل هذه الأنشطة لا تقوم إلا بجهود طلابية خالصة، يشعر الطلبة معها بقيمتهم وحقيقة وجودهم في المكان الذي يُفترَض أنهم يمثلون اللبنات الأساسية فيه. وفي حالة غياب هذا الجانب فإن جو الجامعة لن يختلف كثيرا عن جو المدرسة، وهو الذي يصيب الكثيرين منهم بالإحباط، لأنهم يتوقعون شيئا مختلفا تماما عما خبروه وعرفوه في سنوات دراستهم السابقة، فيجدون أن الثاني يوشك أن يكون تكرارا للأول، ولكن في مكان موسع أكثر فقط.

وربما لهذا السبب نجد الكثير من التصرفات المدرسية في أروقة الحرم الجامعي، ونجد الكسل والتثاؤب خلال أوقات المحاضرات، في حين تكون الطالبات ـ خصوصا ـ في قمة نشاطهن في الأوقات الفاصلة بين المحاضرات، مع الكثير من الصراخ والصوت العالي في التخاطب، وغيرها من السلوكيات التي كانت مقبولة في المدرسة إلى حد ما، ولكنها غير مقبولة إطلاقا في مكان كالجامعة.

منذ يومين، كانت إحدى قريباتي ـ وهي طالبة في جامعة السوربون ـ تحدثني عن «نمط» الحياة الجامعية في جامعتها، وكيف أنه جامد إلى حد كبير، لا روح فيه ولا حياة، حتى ان الطلبة لا يستطيعون التواصل مع أساتذتهم إلا في الدقائق التي تعقب خروج الأستاذ من القاعة، إن لم يكن على عجلة من أمره، وهم غالبا كذلك.

كانت «قريبتي» تحدثني عن الحياة الجامعية هناك وأنا أردد «الحمد لله» بيني وبين نفسي، لأنني شعرت أننا ـ على الرغم من كل ما يثير استيائي وأرغب حقيقة في تغييره ـ أفضل بكثير من واحدة من أعرق الجامعات العالمية.

إن الحياة الجامعية أكثر بكثير من مجرد قاعات ومحاضرات ومكتبة، ولكن طالبة السوربون هذه تقول إنها هناك لا تتجاوز هذه القوالب المهمة بحد ذاتها، لكنها تصبح منفرة إذا لم يكن لدى الطالب خيار آخر غيرها، يخفف من شدتها وصعوبتها، ويساعده في الترويح عن نفسه حين يحتاج لذلك.

ما قيمة الحياة الجامعية إن كانت ستقتصر على حضور المحاضرات والذهاب إلى المكتبة؟ وكيف يمكن أن تكون الحياة الجامعية عاملا مساعدا في بناء شخصية هؤلاء الطلاب الذين سترفد الجامعةُ المجتمعَ بهم، إذا كانت تهمل الجانب الاجتماعي في علاقاتهم بأساتذتهم من ناحية، ولا تحرص على مدّ جسور التواصل بينهم وبين بعضهم من ناحية أخرى؟

جامعة الإمارات

آخر تحديث للصفحة 01 يناير 2020