يتحدث البعض عن الجامعة كما لو كانت مكانا محايدا تكمن وظيفته الأساسية في نقل المعارف المختلفة، وتخريج الكوادر اللازمة لتسيير العمل في الدولة. من هنا فإن الجامعة لا علاقة لها بأية انتماءات سياسية أو معتقدات أيديولوجية.
وهو تصور بالغ السخافة يعني في النهاية أن أساتذة الجامعة أو طلابها يتخلون عن كل ولاءاتهم السياسية والأيديولوجية لحظة دخولهم الجامعة واندراجهم ضمن كلياتها المختلفة. وإذا كان من الصعب تصور ذلك بالنسبة للتخصصات العملية مثل الهندسة والطب فما بالنا بتصور ذلك بالنظر للتخصصات النظرية المشتبكة بشكل مباشر مع المجتمع مثل العلوم السياسية والاجتماعية.
وبشكل عام يبدو الفصل بين العلوم التطبيقية والنظرية فصلا مفتعلا وعبثيا، فأستاذ الطب يمكنه أن يدعو لمظلة تأمين صحي عام يستفيد منها قطاع عريض من الفئات محدودة الدخل في المجتمع.
كما يمكنه أيضا أن يتبني برامج الخصخصة المختلفة التي لا تهتم إلا بتحقيق الربح بغض النظر عن تكلفة العلاج بالنسبة للمحتاجين ومحدودي الدخل. لا يتدخل الموقف الأيديولوجي هنا في الجانب الإجرائي المرتبط بالطب كممارسة علمية مرتبطة بوسائل محددة ومتفق عليها، لكنه يتدخل في الكيفية التي تشتبك بها تلك الإجراءات والممارسات مع المجتمع وشرائحه المجتمعية المختلفة.
كما أن أستاذ الهندسة يمكنه أن يدعو لأنماط إسكانية تناسب دخل الشباب والأسر حديثة النشأة، كما أنه يمكنه أيضا أن يدعو لأنماط إسكانية فاخرة تتناسب ودخل الشرائح الثرية في المجتمع. علينا أن نلاحظ هنا أن أساليب الإسكان وقوانين البناء تقريبا واحدة في الحالتين، لكن الفلسفة الكامنة خلف كل منهما تختلف اختلافا شاسعا يرتبط بالموقف السياسي وبالمعتقدات الأيديولوجية.
كما أن القضايا التي تتعرض لها العلوم الاجتماعية والإنسانية لا يمكن التعامل معها أو نقلها للطلاب بدون موقف أيديولوجي واضح منها.
لكن المهم هنا أن يتم التعامل معها بمنهج علمي واضح لا يؤدي بها إلى أن تتحول إلى مجرد شعارات سياسية خالية من الفهم الحقيقي العميق. كما أن تناول هذه القضايا بشكل منهجي محدد يساعد على التوصل إلى الكيفية التي يمكن أن تقودنا إلى التغيير الواعي التقدمي لبنية المجتمعات العربية. من هنا فإن الحديث عن غياب أي شكل من أشكال التسييس للجامعة هو حديث ساذج بدرجة لا تتقبلها ولا تستسيغها مجريات الأمور.
لا يمكن قبول ذلك التصور أولا لارتباط كل من أساتذة الجامعة وطلابها بشرائح اجتماعية مختلفة ذات ولاءات أيديولوجية محددة. فأستاذ الجامعة حامل في النهاية لمعتقدات خلفياته الاجتماعية التي قد يظل وفيا لها ومؤمنا بها أو أن يتخلى عنها عند أول منعطف أو حراك اجتماعي يصادفه في حياته؛ فالانتماءات الأيديولوجية تتغير بدرجة أو بأخرى خلال مسيرة الحياة الطويلة، وعبر التأثيرات المجتمعية المحيطة.
كما أن الطلبة أنفسهم يرتبطون بشرائح اجتماعية متباينة ومتفاوتة؛ فبعضهم ينتمي لأطر اجتماعية محافظة، والبعض الآخر ينتمي لأطر راديكالية، كما أن بعضهم ينتمي للمدينة والبعض الآخر ينتمي للريف.
والأهم من ذلك كله أن بعضهم ينتمي لفئات اجتماعية فقيرة والبعض الآخر ينتمي لفئات ثرية. وعبر كل هذه الأطياف من الانتماءات الاجتماعية المختلفة كيف يمكن لنا أن نتصور فضاء جامعيا محايدا وظيفته الأساسية تتمثل في نقل المعرفة وطرق التفكير العلمي بدون التعبير عن أية انتماءات سياسية أو ولاءات أيديولوجية.
إضافة إلى ذلك فإنه لا يمكن تصور حياد الجامعة وانعدام تسييسها كون الجامعة ذاتها قاطرة التغيير في المجتمع. فحينما تتحول الجامعة إلى مجرد ناقل للمعرفة، تفقد قدرتها على التمرد ورغبتها في التغيير، ويصبح الأساتذة أقرب للمطوعين الذين يلقنون ما يعرفونه لطلابهم الأكثر خنوعا وخضوعا وانصياعا لما يقال لهم. هنا تصبح الجامعة مجرد مؤسسة مثل غيرها من المؤسسات الرسمية حيث تفتقد القدرة على المغامرة وطرح النظريات الجديدة التي يتبناها الطلبة ويتحمسون لها ويتناقلونها فيما بينهم، وينقلونها إلى غيرهم من أقرانهم وذويهم وأقربائهم.
هكذا العلاقة بين الجامعة والمجتمع علاقة جدلية يحكمها التأثير والتأثر. فعبر التاريخ كانت مراكز التعليم المختلفة هى شرارة التغيير القادرة على إطلاق الأفكار والنظريات الجديدة التي ما تلبث أن تنطلق حتى تثير الكثير من الجدل وأشكال القبول من جانب والمقاومة من جانب آخر. هل يحدث ذلك التلاقح في جامعاتنا العربية؟
وهل يغامر الأساتذة بطرح أفكار جديدة على طلابهم؟ وهل يختار الأساتذة أنفسهم سياساتهم التعليمية خلف أسوار الجامعة؟ وهل هناك استقلالية خاصة بالجامعة في عالمنا العربي؟ أسئلة هامة يجب طرحها بدرجة كبيرة من الموضوعية والصراحة قبل اتهام الجامعات العربية بالتسييس، وقبل إلقاء اللوم على التسييس بجعله آفة العالم العربي.
salehabdelazim@hotmail.com
بقلم :د.صالح سليمان عبدالعظيم