انتقل إلى المحتوى

حذر إعلاميون وأكاديميون متخصصون من تدريس الإعلام باللغة الإنجليزية ما يؤدي إلى ضعف في مهارات اللغة العربية لدى خريجي الإعلام في الجامعات التي تدرّس هذا التخصص باللغة لدى عملهم في وسائل الإعلام.

وشددوا في الوقت نفسه على ضرورة إلمام طالب الإعلام باللغة الإنجليزية، ولكن ليس على حساب لغته الأم، مشيرين إلى أن مصير معظم الطلاب هو العمل في وسائل إعلام عربية في الدولة، وليس من المنطق أن يدرسون بلغة لا يحتاجها سوق العمل.

وتوجد في دولة الإمارات خمس جامعات رئيسية تطرح برامج لتدريس الإعلام وهي جامعة الإمارات وكليات التقنية العليا وجامعة زايد التي تقوم بتدريس برامج الإعلام بمختلف تفرعاتها باللغة الإنجليزية، في حين تطرح كلية الإعلام في جامعة الشارقة برامجها باللغتين العربية والإنجليزية وتتيح للطالب حرية الاختيار، وكذلك الحال في جامعة عجمان.

ويضم قسم الاتصال الجماهيري في جامعة الإمارات 36 طالباً و179 طالبة للعام الجامعي 2008-،2009 وبلغ عدد الخريجين للفصل الحالي 79 طالبا وطالبة، فيما يقارب عدد طلاب كلية الإعلام في جامعة الشارقة ألف طالب، ويزيد عدد المتوقع تخرجهم الفصل الحالي على 100 خريج.

ورأت الدكتورة حصة لوتاه وعضو المجلس الوطني للإعلام، وأستاذة سابقة في قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات أن تعلم اللغة الانجليزية ''مطلوب وضروري''، إلا أنها اعتبرت أن ''تدريس الإعلام الذي هو واجهة للدولة والثقافة باللغة الإنجليزية تعدٍ واضح على اللغة الأم ''.

وتابعت لوتاه أن تدريس الإعلام باللغة الإنجليزية ليس في مصلحة الطالب أبداً، لأنه يؤثر بشكل سلبي على ثقافته ، ومن جانب آخر لا يساعده في تطوير مهاراته وقدراته في الكتابة والتحرير الصحافي ومهارات التقديم الإذاعي أو التلفزيوني باللغة العربية والتي يجب أن يتقنها طالب الإعلام على وجه الخصوص.

وتلعب شركة أبوظبي للإعلام ومؤسسة دبي للإعلام أدواراً رئيسة في مجال الإذاعة والتلفزيون في الدولة، بحسب الموقع الرسمي لدولة الإمارات على الإنترنت، حيث يصل إرسال شركة أبوظبي للإعلام إلى ملايين المشاهدين العرب في أنحاء العالم المختلفة، وهي تشرف على قنوات تلفزيونية فضائية، إضافة إلى ست قنوات إذاعية، ويشمل نشاطها أيضاً صحيفتي ''الاتحاد'' و''ذا ناشونال'' الإنجليزية ومجلة زهرة الخليج وماجد للأطفال ومواقع الإنترنت. بينما تشرف مؤسسة دبي للإعلام على تلفزيون دبي وإذاعة دبي.

وتمتلك دولة الإمارات 20 محطة إذاعية في كل من أبوظبي ودبي وأم القيوين وعجمان، كما أن هناك أكثر من 40 محطة تلفزيونية تبث إرسالها من الدولة، إضافة إلى توفر عدد من الصحف والمجلات الناطقة باللغتين العربية والإنجليزية، حسب الموقع الرسمي لدولة الإمارات على الإنترنت.

وقالت لوتاه، ردا على سؤال حول الهدف من تدريس الإعلام باللغة الانجليزية، ''إن هذا التوجه قد يهدف إلى تخريج إعلاميين مواكبين للحياة ومتطلباتها المستمرة بإتقانهم الإنجليزية، إلا أن ما يحدث هو تغليب للغة الإنجليزية على اللغة العربية ليس فقط في تدريس الإعلام، وإنما في مختلف تخصصات العلوم الإنسانية''.

وأضافت: ''لا أعتقد أن هذا التوجه يخدم التطور المنشود، بل على العكس فإن تأثيره السلبي على الثقافة والانتماء نتيجة محتملة''.

بدوره، اعتبر الدكتور محمد قيراط عميد كلية الإعلام بجامعة الشارقة أن لجوء الجامعات في الدولة إلى اعتماد اللغة الإنجليزية لغة التدريس لجأت في السنوات الأخيرة، يعود إلى أن الطالب الذي يتخرج من النظام التعليمي الثانوي تكون مهاراته في الإنجليزية ''ضعيفة''.

وبالرغم من تأييده تعلم اللغة الإنجليزية في الجامعة، إلا أنه عارض تدريس الإعلام باللغة الإنجليزية، قائلاً ''يجب على الطالب أولاً أن يتأسس في الإعلام باللغة العربية، وبعد ذلك يقوي مهاراته في اللغة الإنجليزية''.

وتساءل ''كيف يتخرج طالب من جامعة عربية وفي دولة عربية وهو غير متمكن من لغته الأم، ويتوجه للعمل في وسيلة إعلام عربية؟''.

وزاد ''يجب على طالب الإعلام أن يتشبع بهويته وثقافته المستمدة من لغته الأم، لأنه هو الذي سيصنع الرأي العام وهو من سيقود الإعلام في المستقبل''.

وشدد الدكتور قيراط على أنه ''يجب أن نكيف الآخرين على ظروفنا وليس العكس''، وضرب مثلاً بجامعات الولايات المتحدة الأمريكية التي تقدم بعضها أكثر من 500 تخصص مختلف، ومع ذلك جميعها تدرس باللغة الإنجليزية، وقد يتخرج الطالب الأمريكي من الجامعة وهو لا يتحدث غير الإنجليزية.

من جهته، أيّد الدكتور نصر عارف رئيس قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة زايد تدريس اللغة الإنجليزية بالجامعات باعتباره أمراً جيداً ومطلوباً، وله نتائج إيجابية عديدة كزيادة التواصل مع الثقافات الأخرى، والاستفادة من الإنتاج العلمي الذي غالباً ما يكون باللغة الإنجليزية، بيْد أنه اعتبر تدريس الإعلام باللغة الإنجليزية ''أمراً غير مقبول وله تبعات خطيرة في المستقبل''.

وأضاف: ''يمكن تدريس العلوم البحتة كالفيزياء والكيمياء باللغة الإنجليزية، ولكن العلوم الاجتماعية والإنسانية يجب أن تكون اللغة العربية اللغة الأولى والأساسية في تدريسها''.

واقترح الدكتور نصر عارف طرح برنامج لتدريس الإعلام باللغتين، على أن يعطى الطالب حرية الاختيار، فإذا كان طموح الطالب العمل في وسيلة إعلامية باللغة العربية، فليس من المنطقي أن نجبره على دراسة الإعلام باللغة الإنجليزية.

ويمكن أيضاً جعل اللغة العربية الوسيلة في تدريس المواد الأساسية، وتخصيص برامج أخرى لطلبة الإعلام لدراسة اللغة الإنجليزية كلغة وليست كوسيلة لتلقي العلم.

واعتبرت الكاتبة والإعلامية عائشة سلطان أن تدريس الإعلام باللغة بالإنجليزية توجه يأتي في إطار تغليب اللغة الأجنبية في مختلف مؤسسات الدولة.

وأكدت سلطان أنها ليست ضد تعلم اللغة الإنجليزية التي هي مفتاح العلم والمعرفة، ''ولكن لا يجب تغليبها على اللغة الأم للبلد''.

وعبرت سلطان عن اعتقادها أن لهذا التوجه نتائج خطيرة على المدى البعيد لأنه ''يكرس في ذهن الطالب أن اللغة الإنجليزية هي الأهم، وبالتالي فإن أي حديث عن الهوية في المستقبل لن يقنعه''.

وأضافت أن تدريس الإعلام باللغة العربية لا يتعارض بأي شكل من الأشكال مع التقدم والتطور، وضربت أمثلة على دول تطورت وتقدمت دون أن تعلم طلابها بلغات أخرى كتايلاند وكوريا وغيرها.

ومن جهته، أكد إبراهيم الأحمد مدير قناة أبوظبي أن معظم الوسائل الإعلامية في الإمارات تتطلب إتقاناً للغة العربية، وفي الوقت نفسه لا تعتبر وجود الإنجليزية أمراً بنفس الأهمية. ومن خلال تجربته كمدير قناة فضائية قال الأحمد: ''قابلت طلاباً درسوا الإعلام باللغة الإنجليزية وكانوا عاجزين عن تحرير خبر بسيط باللغة العربية''.

بدورهم عبر عدد من طلبة الإعلام في جامعة الإمارات عن رفضهم تدريس الإعلام باللغة الإنجليزية. وقالت خولة البدري طالبة صحافة بجامعة الإمارات ''أنا معارضة جداً لهذا الأمر، فاللغة تمثل هويتي.. فكيف أرضى أن أغير هويتي''.

وأضافت ''أنا لا أعارض تعلم لغات وثقافات أجنبية أخرى، ولكن يجب علينا أن نتقن لغتنا الأم أولاً''.

وتقف ريم المعمري طالبة الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات موقفاً محايداً، بقولها ''لا أرفض تدريس الإعلام باللغة الإنجليزية، بل على العكس قد يكون ذلك في مصلحة الطالب، ولكنني أجد أن هنالك مساقات يجب أن تدرس باللغة العربية كالتحرير الصحفي وغيرها''.

ورغم الرفض لتدريس المساقات الإعلامية بغير اللغة الأم، إلا أن هناك مؤيدين لهذا التوجه. فالدكتورة بفرلي مريك عضو هيئة التدريس بقسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات ورئيسة القسم سابقاً، أكدت أن تدريس الإعلام باللغة الإنجليزية أمر في مصلحة الطالب. وقالت ''أعتقد أن قرار اعتماد الإنجليزية لغة رسمية في قسم الاتصال الجماهيري قرار صائب وحكيم''.

وأضافت مريك، التي تحمل الجنسية الأميركية، إن تمكن الطالب من اللغة الإنجليزية

''أمر مهم وضروري فهي لغة العصر والعلم، وبها يستطيع الطالب أن يواجه العالم ويعبر عن آراءه ومعتقداته بسلاسة وطلاقة''.

ولدى سؤالها عن رأيها في تدريس الإنجليزية كلغة مساندة لمساقات الإعلام باللغة العربية، أجابت: ''إنه من الجيد أن يتعلم الطالب لغات أخرى غير لغته الأم، ولكن في الإعلام هنالك قضايا ومصطلحات عالمية يصعب تعريبها، فالتدريس بالإنجليزية هو الحل الأمثل''.

ومع ذلك، تدعو مريك إلى إدخال مساقات باللغة العربية في الخطة الدراسية للقسم تعزز لدى الطلاب مهارات العربية، خصوصاً في مساقات الكتابة التأسيسية.

وأيدت الطالبة مريم العوضي من جامعة الإمارات بشدة تدريس الإعلام باللغة الإنجليزية، دون أن ترى في موقفها هذا ما قد يؤثر على لغتها العربية. ''لقد درست على مدى 12 سنة باللغة العربية، وأشعر أنني متمكنة منها بشكل كاف، ولا أظن أن هذه السنوات الأربع من حياتي الجامعية يمكن أن تؤثر على لغتي''.

وترى مريم حاجي أن تدريس الإعلام باللغة الإنجليزية سيفيد الطلبة والطالبات في المستقبل كثيراً، من خلال العمل في الخارج والمشاركة في المؤتمرات الدولية، وعكس صورة إيجابية عن دولة الإمارات بشكل خاص والدول العربية والإسلامية بشكل عام.

ولم يتسن لـ''الاتحاد''، الحصول على تعليق من قسم المناهج وطرق التدريس في جامعة الإمارات حول سياسة تدريس الإعلام وغيرها من تخصصات العلوم الإنسانية باللغة الإنجليزية.

نورة العلوي

آخر تحديث للصفحة 01 يناير 2020